ولكنّه أنكر نيابة المفعول عن المصدر وأوّل الأمثلة الواردة فيه بما يبقيها على معنى اسم المفعول فقال: (( وأمّا قوله: دَعْه إلى مَيسوره ودَعْ مَعسوره، فإنّما يجيء هذا على المَفعول كأنّه قال: دَعْه إلى أمر يوسَر فيه أو يُعسَر فيه ... ) ) [1] .
ج ـ نيابة المشتق عن المصدر: وعلى العكس من الحالة المذكورة آنفًا، نجد المشتق ينوب عن المصدر، إذ يتجرّد من الدلالة على الذات المُحدِثة ليدلّ على الحدَث المُطلق، وأمثلة ذلك:
1 ـ نيابة اسم الفاعل عن المصدر: وقد ذكره الطوسي في تفسيره لقوله تعالى: {وّلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةِ مِّنْهُم ... } [المائدة:13] ، إذ قال: (( ومعناه: على خيانة منهم، و(فاعِلة) في أسماء المصادر كثير، نحو: عافاه الله عافية، {والْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ} [2] و {فَأٌهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ} [3] ، ويقال: قائلة بمعنى القيلولة، كلّ ذلك بمعنى المصدر، وراغية الإبل وثاغية الشاة، ويقال: رجل خائنة ... على وجه المبالغة، كما قالوا رجل نسّابة؛ لأنّه يخاطب رجلًا. ومعناه لا تخُن ... )) [4] .
وسمّى الطوسي (خائِنة) و (طاغِية) و (عافِية) أسماء مصادر؛ لأنّها تَحملُ معنى المصدر والفعل وتُخالفهما في الصياغة اللفظية، إذ يُشترط في المصدر أن يكون من نفس لفظ الفعل من غير زيادة ولا نقصان، ولكنّ هذه الأسماء مزيدة بالألف وتاء التأنيث ولذا فهي ليست بمصادر.
وأسماء المصادر هذه وردت على فاعل ثم لحقت بها تاء التأنيث بقصد المبالغة، فصارت أدلّ على معنى الفعل أو الوصف مما هو في مصادرها الحقيقية.
ومثل ذلك قوله تعالى: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِّن بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8] ، إذ وجّه الطوسي دلالة (باقية) فقال: (( أي من نفس باقِية، وقيل: معناه فهل ترى لهم من بقاء، فالباقية بمعنى المصدر، مثل العافِية والطاغِية ومعناه: فهل ترى لهم من بقيّة ) ) [5] . وهو ما ذهب إليه غير واحد من المفسرين [6] .
(1) الكتاب 4/ 97.
(2) الحاقة: 9.
(3) الحاقة: 5.
(4) التبيان 3/ 470.
(5) لتبيان 10/ 96.
(6) ينظر: معاني القرآن للفراء 3/ 180، وجامع البيان 27/ 81، والكشاف 4/ 150، والجامع لأحكام القرآن
17/ 122، 18/ 261، وروح المعاني 29/ 42.