2ـ فِعْل بمعنى فاعِل: ومن أمثلته ما ورد في قوله تعالى: ... {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة: 177] ، فقد ذكر الطوسي أن في هذه الآية ثلاثة أقوال [1] :
أحدها: على تقدير: البرُّ برُّ من آمن ...
والثاني: على تقدير: ولكنّ ذا البرّ من آمن ...
والثالث: على تقدير: ولكن البارَّ من آمن ... ، إذ جاء المصدر بمعنى اسم الفاعل.
ويتضح من دلالة الآيتين أنّ استعمال المصدرين (غَورًا) و (البِرّ) ، قد مَنحَ التعبير قوّة في الوصف وتجسيدًا للمعنى، حتى أنّ الماء صارَ هو فعل الغَوْر نفسه، فلو قال (غائِر) لاحتمل ذلك زوال الغَور وعدم ثبوته، وكذلك وَصف المُؤمن، فكأنّه صارَ هو البِرّ نفسه لشدة اتّصافه به، فلو قال (بارٌّ) لاحتمل ذلك زوال البِرّ وعدم دوامه واستمراره.
3 ـ فَعِل بمعنى مَفعول: ورد في قوله تعالى: {وَجَآءُو عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ... } [يوسف: 18] وفسّره الطوسي، بأنّ: (( معنى كذِب مكذوب فيه، ... إلا أنّه وصف في المصدر وتقديره: بدمٍ ذي كذِبٍ، ولكن إذا بولغ في الصفة أُجري على هذه الصفة ) ) [2] ،ونقل عن الفرّاء أنّه يجوّز أن يكون المصدر وقع موقع مفعول، كما يقع مَفعول موقع المصدر )) [3] ، ثم يذكر الطوسي أنّ (( مفعولًا لا يكون مصدرًا، ويتأوّل قولهم: خُذْ مَيسوره ودَعْ مَعسوره، أي خُذْ ما يسُر ودَعْ ما عَسُر عليه ) ) [4] .
وفي ذلك يقول الفرّاء: (( ومعناه مَكذوب، والعرب تقول للكذِب: مَكذوب وللضَعف مَضعوف، وليس له عَقد رأي ومَعقود رأي، فيجعلون المصدر في كثير من كلامه مَفعولًا، ... ويقولون للجَلِد مَجلودًا ... ) ) [5] .
وأجاز سيبويه هذا التناوب فقال: (( وقد يجيء المصدر على المَفعول، وذلك قولك: لَبنٌ حَلْبٌ، إنّما تريد مَحْلوب، وكقولهم،: الخَلْقُ، إنّما يُريدون: المَخلوق، ويقولون للدرهم: ضَربُ الأميرِ، وإنّما يريدون مَضروب الأمير ) ) [6] .
(1) التبيان 2/ 96، وينظر في هذه الآية: المقتضب 3/ 231، ومعاني القرآن وإعرابه 1/ 246.
(2) التبيان6/ 111.
(3) المصدر نفسه، وينظر: معاني القرآن للفراء2/ 38.
(4) التبيان 6/ 111.
(5) معاني القرآن 2/ 38، وينظر: جامع البيان 12/ 171، ومعاني القرآن الكريم 3/ 403، وتلخيص البيان 170،
ومجمع البيان 5/ 215، والجامع لأحكام القرآن 9/ 49.
(6) الكتاب 4/ 43، وينظر: المقتضب 4/ 304.