ولكن ليس كلّ الألفاظ دالة على التحطيم والترضيض كما يقول الفارابي وابن قتيبة ومن بعدهما الطوسي؛ لأنّ غُبار وتُراب على (فُعال) أيضًا، ولكنّها تدلّ على تجمّع ذرات معينة على حجم وشكل وأوصاف خاصة، وهي بذلك توافق المعنى الذي قال به الفرّاء، وهو دلالتها على (كلّ شيءٍ ينضمّ بعضه إلى بعض) ، وهو الأرجح في الدلالة العامة لصيغة (فُعال) ، التي تصدق أيضًا على المُحطّم والمُكسّر؛ إذ تجتمع قِطَع ذلك الحُطام والرُفات على هيأة معينة.
2ـ فِعالة: وهي أيضًا من الصيغ القياسية للمصدر المشتق من الفعل الثلاثي المجرّد وتختصّ بالأفعال الدالّة على حِرفة أو صَنعة أو وِلاية. وقد ذكرها الطوسي حين فسّر قوله تعالى {وَعَلَى أبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7] فقال: (( الغِشاوة: الغطاء، وكلّ مااشتمل على شيء، مبنيّ على فِعالة كالعِمامة والقِلادة والعِصابة، وكذلك في الصِناعة كالخِياطة والقِصارة والصِياغة والنِساجة وغير ذلك، وكذلك من استولى على شيء كالخِلافة والإمارة والإجارة وغير ذلك ) ) [1] .
ولم يَرد خلاف بين اللغويين حول هذه الصيغة، إذ يقول سيبويه: (( وأمّا الوِكالة والوِصاية والجِراية ونحوهنّ فإنّما شبّهن بالوِلاية؛ لأنّ معناهنّ القيام بالشيء، وعليه الخِلافة والإمارة والنِكاية والعِرافة، وإنّما أردت أن تعبّر بالوِلاية، ومثل ذلك الإيالة والعِياسة والسِياسة ... ) ) [2] .
وإلى هذا ذهب أيضًا ابن قتيبة [3] 2)، وابن السراج [4] 3)، والمؤدِّب [5] ، وأبو محمد الصيمري النحوي [6] (من نحاة القرن الربع الهجري) ،أمّا دلالتها على الاشتمال فقد أشار إليها الزجاج [7] ، والجوهري [8] ، وابن منظور [9] (ت711هـ) .
ولم يخرج المحدثون [10] عن الدلالات التي أشار إليها الطوسي فيما يختصّ بهذه الصيغة.
(3) تناوب الصيغ:
الأصل في اللغة العربية أن يكون لكلّ صيغة معنىً معين، ولكنّ واقع هذه اللغة وقدرتها على التغيّر في التراكيب المختلفة دعا إلى أن تجيء بعض الصيغ بمعنى بعضها الآخر،
(1) التبيان 1/ 64.
(2) الكتاب 4/ 11.
(3) أدب الكاتب 471.
(4) الأصول في النحو 3/ 192.
(5) دقائق التصريف 133.
(6) التبصرة والتذكرة: الصيمري2/ 768.
(7) معاني القرآن وإعرابه 1/ 83.
(8) الصحاح (عمم) 5/ 1993.
(9) لسان العرب (غشا) 15/ 126.
(10) دراسات في فقه اللغة: صبحي الصالح 345، وفقه اللغة (وافي) 212، ومعاني الأبنية 23 ـ 25.