الصفحة 81 من 337

وقد وقف الطوسي عند المصادر بكثرة في تفسيره، وكان له لمحات دلالية قيّمة في باب المصادر نوجزها بما يأتي:

أ ـ فرّق بين المصدر والاسم أو اسم الذات: فالأول يدلّ على الحدث المجرّد، والثاني يدلّ على ذات محسوسة، أو يدلّ على ما قام به الحدث، أو المادة التي يتمّ بها الفعل، ووسيلة التفرقة تقوم على أساس تغيّر حركات المصدر عن الاسم، وقد سبقه إلى هذه التفرقة طائفة من علماء العربية [1] .

ويُسمّى هذا التغيّر في علم اللغة الحديث بالتغيّر المورفيمي [2] ،أو (التحوّل الداخلي) [3] 9)، إذ تتحول المصوّتات القصيرة الداخلية في بنية الكلمة فيتغيّر معها معنى الكلمة في نحو: فَعول وفُعول، وفَعْلة وفُعْلة، وفِعْل وفُعْل، وغيرها. وتُعدّ عملية التحوّل هذه من أساليب العربية في صياغة أبنية جديدة لإثراء اللغة، وهو ما يسمّى في علم اللغة الحديث (تناسل الصيغ) [4] .

وقد وردت في تفسير التبيان أمثلة عدة على هذا التحوّل، عمدَ فيها الطوسي إلى التفرقة المعنوية، فمن ذلك وقوفه عند قوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلءُ الأرْضِ ذَهَبَا} [آل عمران: 91] ، إذ قال (( المِلْء: اسم للمقدار الذي يُملأ، والمَلْءُ بفتح الميم مصدر مَلأتُ الإناء مَلأً، ومثله الرِعي بكسر الراء: النبات، وبفتح الراء مصدر رَعيتهُ ) ) [5] .

ونقل عن الزجاج تخطئته من ساوى بينهما [6] ، وتحديده المصدر بالفتح واسم الذات بالكسر. والمِلء لغةً ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، يقال أعطى مِلأه، ومِلأيْه وثلاثة أملائه، والمَلء الاسم [7] .

ومما وقف عنده أيضًا قوله تعالى: { ... إِلاّ مَنِ أغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249] إذ فرّق بين الغَرفة والغُرفة فقال: (( والغَرفة بالفتح المرّة من الغَرْفِ، والغُرفة بالضم مِلءُ الكفّ

(1) ينظر: معاني القرآن للأخفش 1/ 212، وتفسير غريب القرآن 43، 374، وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

(2) الوجيز في فقه العربية279ـ280.

(3) ينظر: المنهج الصوتي للبنية العربية 67، والعربية الفصحى: 97.

(4) العربية الفصحى 116.

(5) التبيان 2/ 528.

(6) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 442

(7) لسان العرب (ملأ) 1/ 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت