والمَعرفة المُتعارف عليهما لدى البشر، إذ ليس له حَدّ ولامُنتهى، فجاءت صيغة (فَعّال) ـ وهي أقوى الصيغ دَلالة على المبالغة [1] ـ للدَلالة على السِعَة والشُمول واللاتناهي الذي يتَّسم به علم الله جلَّ وعلا.
ومَقصد الطوسي هذا ليس عامًّا في دلالة هذه الصيغة، وإنّما هو خاصّ بها في سياق الآية التي وردت فيها. وقد أشار ضِمنًا إلى أنّ المعنى العام لصيغة (فَعّال) هو التكثير المَعلوم. وهو مااتفق عليه اللغويون [2] ، كما اتفقوا على أنّها من الصيغ الدالّة على الحِرفة والصِناعة في نحو: (نَسّاج وخَيّاط ونَجّار) [3] ، ولكنّهم اختلفوا في أصل هذه الصيغة، إذ يرى المبرّد أنّ أصلها الدلالة على المبالغة في نحو: (ضَرّاب وقَتّال) ،ثمّ نُقلت إلى الصناعة لتكرير الفعل وكثرة المعاناة في القيام به، نحو: (بَزّاز وعَطّار) [4] ، وأيّده في هذا القول طائفة من اللغويين المتأخرين [5] ، في حين يرى آخرون أنّ هذه الصيغة أصلها الدَلالة على الصناعة، ثم نُقلت إلى المُبالغة [6] ، وأيّد ذلك من المحدثين د. فاضل السامرائي [7] الذي أشار إلى صِحّة هذا النقل فضلًا عن اقتضائها الاستمرار والتكرار والتجدّد والمُلازمة في آن واحد.
ولو بحثنا في حقيقة الأصل اللغوي لهذه الصيغة لتبيّن أنّ صيغة (فَعّال) تُطلق على كلّ من يُزاول فِعلًا أو عَملًا بكثرةٍ ومُداوَمةٍ، ومُزاولة الإنسان للأعمال المختلفة، هي أمر اجتماعي يقتضي وجوده قبل وجود الحِرف والصناعات التي طرأت على المجتمع بعد تطوّره وتحضّره. يقول ابن يعيش: (( إن كان شيئًا من هذه الأشياء صَنعةً ومَعاشًا يُداومها صاحبها نُسِب إلى(فَعّال) ، فيقال لمَن يبيع اللبَن والتَمر: لبّان وتمّار، ولمَن يرمي بالنبل: نبّال ... )) [8] ، فالراجح إذن أن تكون صيغة (فَعّال) مُستعملة لدى العرب قبل أن تشيع الحِرف والصناعات وتُنسب إليها، وهذا يعني أنّها وُضعَت أصلًا للمبالغة ثم استُعيرت للحِرَف والصناعات، إذا اتّسمت تلك الحِرَف بالمُلازمة والدوام عليها.
4 ـ مِفْعال: وقف الطوسي عند صيغة المبالغة (مِفْعال) في تفسيره قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنا السَّماء عَليكُم مِدْرارًا ... } [الأنعام: 6] ،فقال في تعليقه على (مِدرار) : (( ومِفْعال من
(1) ينظر: حاشية الصبّان على شرح الأشموني: محمد بن علي الصبّان2/ 296.
(2) ينظر: الكتاب 1/ 110،والمقتضب 2/ 133،3/ 161،والفروق في اللغة 15، ودرّة الغواص 89.
(3) ينظر: أدب الكاتب 252،وديوان الأدب 1/ 129، والمخصّص 4/ 15/69.
(4) المقتضب 3/ 161.
(5) ينظر: المخصّص4/ 15/69، وشرح المفصّل 6/ 13، وشرح الشافية 2/ 84 ـ85، ومعاني الأبنية 108.
(6) ينظر: همع الهوامع 2/ 97.
(7) معاني الأبنية 108 ـ 110.
(8) شرح المفصل 6/ 13.