فهي من أوصاف المبالغة في الفعل وليست من أوصاف المُبالغة في الذات [1] ، ولكنّ هذا الخلاف لا يمنع من اتفاقهم على أنّ هذه الصيغة تُستعمل لمَن كثُر منه الفعل [2] ، أو لمَن دامَ عليه [3] ، أو لمَن كان قويًا مُقتدرًا عليه [4] ، وكلُّ ذلك يصُبّ في دلالة الكثرة والتزيُّد من الفعل، وقد نبّه الدكتور فاضل السامرائي على تحوّل هذه الصيغة، فقال: (( عندما نقول: هو صَبور، كان المعنى كأنّه مادة تُستنفَد في الصبر وتُفنى فيه، كالوَقود الذي يُستَهلَك في الاتقاد ويُفنى فيه، وكالوَضوء الذي يُستنفَد في الوُضوء ... وحين نقول: هو جَزوع، كان المعنى أنّه ذاتٌ تُستهلَك في الجَزَع، وكذا الغَفُور أي كلّه مَغفرة ) ) [5] .والله جامع لكلّ ما هو خيرٌ ممّا يتجاوز المَغفرة إلى غيرها من الصفات.
ولو أطلنا النظر في سبب انتقال هذه الصيغة من الدَلالة على اسم الذات إلى الدَلالة على المُبالغة، لتبيّن أنّ شدّة اتّصال الذات بالصفة وبلوغها الغاية في ذلك، هي التي أهّلتها لأن تُصبح هي والفعل أو الصفة كالشيء الواحد، حتى صار الماء الذي يُتوضّأ به هو الوُضوء بحدّ ذاته، وصار الحَطَب الذي يوقَد هو الوُقود أو الاتقاد ذاته، وهذا هو الذي دَعا إلى وصف كثير الصَبر والشُكر والمَغفرة بالصَبور والشَكور والغَفور، وكأنّهُ لشدة اتّصافه بهذه الأوصاف قد صارَ هو الفِعل نفسه، ففُنيَ الفِعل فيه، وفُنيت ذاته في الفِعل فصارَ الوصف عَلَمًَا له.
وقد خصّ أبو هلال العسكري هذه الصيغة بالدلالة على من اقتدر على الفعل، ولكنّ هذا إن صدق على: صَبور وشَكور وغَفور وقَنوع، فهو لا يصدُق على: عجوز وغيور؛ لأنّ هذه الصفات تدلّ على شدّة اتّصاف الذات بها، حتى أنّ العجوز صار هو العجز نفسه، ... والغيور صار هو الغيرة نفسها، وهذه هي الغاية القُصوى من المبالغة.
3 ـ فَعّال: وهي من صيغ المبالغة الكثيرة الاستعمال، وقد نبّه عليها الطوسي في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علاَّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة:109] ، فقال في لفظ (عَلاّم) إنّه (( للمُبالغة هاهنا لا للتكثير المعلوم ) ) [6] ،ففرّق بين المبالغة والتكثير؛ لأنّ التكثير يُراد به كثرة مّرات القيام بالفعل، وليس في ذلك المُبالغة المعنوية المنشودة من وصف الله عزَّ وجلَّ بأنّه (عَلاّم الغيوب) . فالعليم الخبير وُصِف بهذا الوصف لعِلْمِه بكلّ دقائق أسرار الكون ومخلوقاته، ما خَفيَ منها وما ظَهرَ، وعِلْمه هذا خارق لنظام العِلم
(1) اشتقاق أسماء الله 151.
(2) ينظر: شرح ابن عقيل 3/ 111، وهمع الهوامع: السيوطي2/ 97.
(3) ديوان الأدب 1/ 85، وينظر: معاني الأبنية 115.
(4) الفروق في اللغة 15، ودرّة الغواص في أوهام الخواص: الحريري 89.
(5) معاني الأبنية 114.
(6) التبيان 4/ 53.