الصفحة 77 من 337

ولا بدّ من الوقوف عند حقيقة هذه الصفات، أهي صيغ مُبالغة أم صفات مشبّهة؟، ولننظر إلى شروط صياغة كلٍّ منها، إذ يُشترط في صيغة المبالغة أن تكون من فعل مجرّد متعدٍّ كما يُشترط في الصفة المشبّهة أن تكون من فعل لازم، إذ اتخذ أهل اللغة من التعدّي واللزوم وسيلةً للتفرقة بين هذين البنائين الصرفيين [1] ، فـ (اللطيف) مشتقّ من (لطُف) وهو فعل مجرّد لازم، ولذا فهي صفة مشبّهة من غير شك، أما (السَميع) و (البَصير) ، فإن كانتا من (سَمِع) َ أو (أسْمَع) َ، ومن (بَصُر) َ أو (أبْصَر) َ، فهما من فِعلين مُتعدّيين، والمُفترض أن تكونا صيغتي مُبالغة، غير أنّ دَلالتهما على مُطلق اتصاف الذات الإلهيّة بالسَماع والإبصار، مع أزليّتهما وثبوتهما واستمرارهما، هو الذي جَعلهما في حُكم الصفة المشبّهة، فضلًا عن أنّ صيغة (فَعيل) باتفاق اللغويين تطّرد في الدَلالة على الخصال اللازمة للنفوس، ما كان منها فطريًا ومكتسبًا [2] .

وبنحوٍ عام فإنّ جميع الصفات الإلهيّة هي صيغ مُبالغة تُحمَلُ على الصفة المشبّهة لثبوتها واستمرارها وبلوغها المُلازمة الأزليّة التي لا مُنتهى لها [3] .

2 ـ فَعُول: وفرّق أيضًا صاحب التبيان بين صيغتي (فاعِل وفَعول) فبيّن أنّ الأولى للحَدَث والثانية للمبالغة فقال: (( إنّ في غَفور مُبالغة لكثرة المَغفرة، فأمّا غافر فيستحق الصفة فيه بوقوع الغفران ) ) [4] ، فـ (الغَفور) صفة دائمة ومستمرّة لله تعالى لكثرة غفرانه لذنوب عباده التي لا تُحصى ولا تُعدّ، ولا تنتهي وليس لها أمدٌ، فهو يغفر للجنّ والإنس منذ أن خلقهم وإلى يوم الساعة؛ ولأنّ فعل المغفرة بلغ درجته القصوى والغاية في المبالغة؛ لذلك جاء بزنة (فَعول) ، وهو وصفٌ خاص بالله تعالى. أمّا (غافر) فهو وصفٌ لكلّ مَن قام بفعل المَغفرة ولو مرّة واحدة.

وتعدّ صيغة (فَعول) من الصيغ المُشتركة بين المبالغة والصفة المشبّهة [5] ، وميزان التفرقة بينها ثبُوت زَمنها ودَيمومتها، غيرَ أنّ صفات الخالق عزَّ وجلَّ هي صيغ مبالغة يصُحّ أن تكون صفات مشبّهات لثبوتها واستمرارها كما ذكرنا آنفًا.

وقد اختلف اللغويون في هذه الصيغة من حيثُ أصلها، فرأى بعضهم أنّها مَنقولة من أسماء الذوات في نحو: توَضَّأتُ وَضُوءًا، ووَقدتُ وَقُودًا، فالوَضوء هو الماء الذي يُتَوضَّأ به، والوَقود هو الحَطبُ الذي يُوقَد به. ثمّ استعيرت للدَلالة على صيغة المُبالغة والتكثير في أداء الفعل [6] ،

(1) ينظر: الكتاب 4/ 110 ـ 112، وارتشاف الضرب من لسان العرب: أبو حيان الأندلسي 3/ 193، وظاهرة

التعدّد في الصيغ الصرفية 107.

(2) ينظر: الكتاب 4/ 28، والصاحبي 375، والمخصص4/ 14/147 ـ 148، وفقه اللغة: علي عبد الواحد وافي

215، ومعاني الأبنية94 ـ 96.

(3) ينظر: اشتقاق أسماء الله: الزجاجي 70، والتبيان 6/ 277.

(4) التبيان 2/ 169.

(5) المحيط في أصوات العربية 239، 242.

(6) ينظر ديوان الأدب: إسحاق الفارابي 1/ 129، والمخصّص 4/ 12، وشرح الشافية 1/ 62، ومعاني الأبنية 115

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت