{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَأُ ولِي الأَلْبَبِ} [البقرة:179] وقول العرب: (القتلُ أنفَى للقَتل) ، وذكر الفرق بينهما من أربعة أوجه:
(( أحدها: أنّه أكثر فائدة، وثانيها: أنّه أوجز في العبارة، وثالثها: أنّه أبعد عن الكلفة بتكرير الجملة، ورابعها: أنّه أحسن تأليفًا بالحروف المتلائمة ) ) [1] 3). ثم بدأ يفصّل في بيان كل فرق على حدة، حتى وصل إلى الفرق الرابع فقال: (( وأمّا الحسن بتأليف الحروف المتلائمة فهو مُدرَك بالحسّ، وموجود باللفظ، فإنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبُعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام، فبإجماع هذه الأمور التي ذكرناها كان أبلغ منه وأحسن ... ) ) [2] 4).
وقد كتب في هذه الآية جميع المفسرين [3] 5) والبلاغيين والنقاد [4] 6) فأحسنوا وأجادوا وفصّلوا في جوانب الإعجاز فيها، واتخذوها مثالًا للإيجاز في القرآن الكريم ويشغلنا منها قول الطوسي فيها، وسنُعنى فيه بالجانب الصوتي الذي هو مدار البحث في هذا الفصل.
وهو يتابع في كلامه الرمّاني الذي جعل ميزة هذه الآية في أربعة أوجه أيضًا منها الجانب الصوتي [5] 1)، ولو تأمّلنا في قوليهما لوجدنا أنّ الأصوات التي تألّفت منها الآية كانت مَبعث سلاستها وحُسن جرسها، وقد مَنحتها تلك الميزة على كلام العرب.
فهو يُفضّل الانتقال من الفاء إلى اللام على الانتقال من اللام إلى الهمزة وعلّل ذلك ببُعد مخرج اللام عن الهمزة، فالفاء شفوية أسنانية [6] 2) ومَهموسة رِخوة [7] 3)، واللام لِثوية [8] 94) مَجهورة مُتوسطة بين الشدة والرخاوة [9] 5)، وبين المخرجين قُرب مُعتدل يسهُل فيه الانتقال، ولاسيّما أنّ
(1) التبيان 2/ 105.
(2) التبيان 2/ 105 ـ 106.
(3) ينظر: جامع البيان2/ 114 ـ 115، وجواهر الحسان 1/ 135، والوجيز في تفسير الكتاب العزيز: الواحدي ...
1/ 148، ومجمع البيان 1/ 266، والجامع لأحكام القرآن 2/ 245،256، وروح المعاني 2/ 51، والميزان في
تفسير القرآن 1/ 442.
(4) ينظر: النكت في إعجاز القرآن 77ـ78، ودلائل الأعجاز 278 ـ279، 474.
(5) النكت في أعجاز القرآن 77ـ78.
(6) علم الأصوات العام 121.
(7) الكتاب 4/ 434.
(8) المحيط في أصوات العربية 18.
(9) الكتاب 4/ 433 ـ434.