ومن الإشارات إلى إحساس العرب بأثر الجرس الصوتي للألفاظ قول الخليل إن للحروف الذلقية والشفوية أهميّة في كلام العرب لخفّتها وحسن جرسها، ولذا (( لمّا مذلَ بهنّ اللسان وسهلت عليه في المنطق، كثرت في أبنية الكلام ) ) [1] 3). ووصف العين والقاف بأنّهما (( أطلق الحروف وأضخمها جرسًا ) ) [2] 4). وغير ذلك من الملاحظات الصوتية الخاصة بائتلاف الأصوات واختلافها، التي صارت فيما بعد الأسس الأولية لاستخلاص القيم الصوتية في بناء الألفاظ العربية وتقريرها في مصطلح تنافر الحروف والألفاظ عند النقاد والبلاغيين [3] 5).
وقد عُني العرب أيضًا ببناء الألفاظ العربية وموسيقى هذا البناء الذي يتحقّق بانسجام أصواتها، فأحسّوا بثِقَل في نطق الأصوات المُتقاربة المخارج، كما أحسّوا بصُعوبة النُطق بثلاثة أصوات من جنس واحد. وكان ضابطُهم لتوافق أجراس الأصوات في تأليف الألفاظ هو الذوق الفني، ولذلك كان التنافر والتلاؤم في الاتساق النغمي لبناء الألفاظ سمة مُتميّزة في التأليف ففاضَلوا بين نَظمٍ ونَظمٍ بسب تنافر الحروف وائتلافها [4] 6)، ولذا جعل الرمّاني التأليف ثلاثة أوجه: مُتنافر، ومُتلائم في الطبقة الوسطى، ومُتلائم في الطبقة العليا [5] 7).
والتلاؤم هو تعديل الأصوات في التأليف، أمّا التنافر فينتج عن البُعد الشديد أو القرب الشديد في مخارج الأصوات في التأليف، ومن تلاؤم أصوات اللفظ يكون حُسن الكلام [6] 8)؛ لأنّ (( الفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ، وتقبّل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة ) ) [7] 1).
وقد ذكر ابن سنان الخفاجي (ت466هـ) أنّ لتأليف اللفظ في السمع حسنًا وميزة على غيره، وإن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة، وليس يخفى على أحد من السامعين أنّ تسمية الغُصن غُصنًا أو فَنَنًا أحسَن من تَسميته عُسلوجًا، وأنّ أغصان البان أحسَن من عَسالج الشَوحط [8] 2).
وأشار الطوسي إلى هذه المزيّة في نظم القرآن الكريم الذي فاق بها كلام العرب، فضلًا عن نواحي إعجازه الأخرى التي يقصُر المَقام عن ذكرها. وتمثّلت إشارته في موازنته بين قوله تعالى:
(1) العين 1/ 52.
(2) العين 1/ 53.
(3) جرس الألفاظ ودلالتها في البحث البلاغي والنقدي: 145.
(4) المصدر نفسه46 ـ 148.
(5) النكت في إعجاز القرآن 94 ـ 95.
(6) جرس الألفاظ ودلالتها في البحث البلاغي والنقدي 148.
(7) النكت في إعجاز القرآن 96.
(8) سر الفصاحة 55.