الصفحة 63 من 337

وعلى الرغم من أنّ أداة الاستفهام جزء رئيس في تركيب الجُملة الاستفهامية، غير أنّ الاستعمال العربي قد سوَّغَ حذف الأداة مع الجُملة الاستفهامية، إذا كانت هل والهمزة واستغنى عنها بالتنغيم [1] 1)، وبيت ابن أبي ربيعة شاهد على ذلك. ولا يجوز الاستغناء بالتنغيم مع أدوات الاستفهام الأخرى (كيف ومتى وأين ولماذا وما وكم وأي) ؛ لأنّه لا يؤدّي الدلالة المُعجمية التي تؤدّيها تلك الأدوات، التي يَستفهم كلّ منها عن دلالة خاصة لا يمكن للتنغيم أن يحدّدها، فهو لا يُخبرنا عن النوع أو العدد أو الجنس أو الهيأة (2) .

(2) فرّق بين النداء والدعاء فقال: (( النداء هو الدعاء بمدّ الصوت على طريقة يا فلان، وأصله ندى الصوت، وهو بُعد مذهبه ) ) [2] 3)، وقال أيضًا (( النداء هو الدعاء بطريقة يافلان، ومتى قال:(اللهمّ افعل بيّ، وارزقني وعافني) كان داعيًا ولا يكون مناديًا )) (4) .

و (مدّ الصوت) معناه النغمة الصاعدة المُصاحبة لأسلوب النداء وإن لم تكن هناك أداة نداء، ويفرّق بينه وبين الدعاء في النص المذكور، إذ النداء يكون لغير الله، والدعاء لله يكون في التذلّل والتضرُّع والترجّي. وقد فرّق بين الأسلوبين في موضع آخر فوقف عند قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ قِيلَ يَنُوحُ اهْبِطْ بِسَلَمٍ مِّنَا وَبَرَكَتٍ عَلَيْكَ} [هود: 47 ـ 48] وعلّل إثبات ياء النداء وحذفها في سياق واحد بقوله: (( وإنما حُذفت(يا) من قوله (ربِّ إني أعوذ بك) ، وأثبته في قوله (يانوح) ؛ لأنّ ذلك نداء تعظيم، وهذا نداء تنبيه فوجب أن يأتي بحرف التنبيه )) [3] 5)، وهذا يعني أن قوله (يانوح) جاء على وجه الحقيقة من أسلوب النداء وهو إفادة التنبيه ودلّ على ذلك سياق الآية، فالخطاب الموجّه من المولى القدير إلى نبيه نوح (عليه السلام) هو نداءٌ ودعوة للامتثال لأوامره، أما الدعاء فلا يشترط فيه (يا) النداء، لأنه موجّه من أدنى إلى أعلى، ومن ثم فإنّ النغمة المصاحبة له هي التي تعكس معاني التعظيم والتبجيل على الذي لا يُدعى سواه. وكلا النمطين يتدرّج من المستوى الثاني صُعودًا إلى المستوى الثالث، حيث يفترقان فيهبط النداء إلى الأول على حين يَصعد الدعاء درجةً أعلى ثم يعود تدريجيًا إلى الهابط. ويتّضح هذا بالشكل الآتي

(1) الأنماط التحويلية في الجملة الإستفهامية: سمير شريف 32 ـ33

(2) المصدر نقسه 33 ـ 34.

(3) التبيان3/ 569.

(4) التبيان 8/ 566.

(5) التبيان 5/ 496 ـ497.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت