وقال عمر بن أبي ربيعة:
قالوا: تحبُّها؟ قُلتُ: بَهْرًا ... عددَ النجْمِ والحَصى والتُرابِ [1]
فإن قيل: حُذِف حَرف الاستفهام، وإنّما يجوز ذلك إذا كان في الكلام عِوَض منه نحو: (أم) للدلالة عليه، ولا يُستَعمل مع فَقد العِوَض، وفي الأبيات عِوَض عن حرف الاستفهام، وليس ذلك في الآية؟ قلنا قد يُحذَف حَرف الاستفهام مع ثُبوت العِوَض تارة، وأخرى مع فقده إذا زالَ اللَبس، وبيت أبي ربيعة ليس فيه عِوَض، ولا فيه حَرف استفهام ... وإذا جاز أن يحذفوا حرف الاستفهام لدلالة الخطاب، جاز أن يَحذفوه لدَلالة العَقل؛ لأنّ دَلالة العَقل أقوى من غيرها )) [2] . وهو يؤوّل مجيء الآية على وَجه الإخبار لا على وجه الشكّ، وإنّما جاءت (( على سبيل الإنكار على قومه والتنبيه لهم على أنّ ما يَغيب وينتقل من حال إلى حال لا يجوز أن يكون إلهًا مَعبودًا لثُبوت دَلالة الحدث فيه ) ) [3] ، ولكنّ قلبه مُطمئن بالإيمان، ومقصدُه من ذلك ذكر الدليل لإبطال ديانتهم؛ لأنّه لو صَدع بالحق من أوّل الأمر لتَمادوا في المُكابَرة والعِناد ولَجّوا في الطُغيان [4] .
وممالا شكّ فيه أنّ التنغيم هنا هو المُرجِّح لمَقصد إبراهيم (عليه السلام) . فنغمة الخبر مستوية ثم هابطة؛ لأنّها على وجه الإنكار، ونغمة الاستفهام صاعدة ثم هابطة؛ لأنّها على وَجه الإنكار أيضًا. ويتّضح هذا في الشكل الآتي:
الخبر ... 3
(هذا ربّي) ... 1
الاستفهام ... 3
(1) ينظر: شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة المخزومي: محمد محيي الدين عبد الحميد 423، والبيت من الخفيف.
(2) التبيان 4/ 184.
(4) المصدر نفسه.
(3) ينظر: جامع البيان 7/ 247 ـ251، وجواهر الحسان 1/ 534 ـ535، ومجمع البيان
2/ 322ـ323 والجامع لأحكام القرآن 7/ 25ـ27، وروح المعاني 7/ 198 ـ101.