في قوله تعالى: {أيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} [النحل:59] ، إذ قال الطوسي في تفسير (هون) : (( الهُونُ أي: الهَوان والمشقّة، ومنه(عذاب الهُون) [1] 1)، قال الحُطيئة:
فلمّا خشيتُ الهُون والعيرُ مُمْسِكٌ ... على رَغمهِ ما أثبتَ الخيلُ حافِرَه [2]
فإذا قالوا: أقبلَ يَمشي على هَوْن، لم يقولوا إلا بفتح الهاء، وقال المبرّد: الهُونُ بضم الهاء لاأعرفه في الرِفق، وإنّما هو بفتح الهاء كما يُقال: سِرْ عليه هَونًا أي: رِفقًا )) [3] 3).
و (الهَون) لغة: من هان يَهونُ هَونًا، بمعنى: خفَّ [4] 4)، وقيل: الهَون والهَوان واحد وهو اللين [5] 5)، وقيل: الهُون: الهَوان، والهَون: الرِفق [6] 6)، والسَكينة والوِقار [7] 7). وقيل: إنّ الهَوان على وجهين: أحدهما تذلّل الإنسان في نفسه لما لا يُلحِق به غَضاضة فيُمدَح به، والآخر: أن يكون من جهة متسلط مستخفٍّ به فيُذَمُّ به [8] 8).
وذكر الفرّاء أن الهُون بالضمّ لغة قريش، وبعض بني تميم يجعلونه مصدرًا للشيء الهيّن، وإذا قالت العرب: أقبلَ يمشي على هَونهِ، لم يقولوه إلا بالفتح [9] 9)، واحتجّ لذلك بقوله تعالى: {يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63] ، وأكثر المفسرين على أنّ (هَونًا) هنا مصدر الهيّن من السَكينة والوِقار، وأنّ الهُونَ في آية النحل بالضمّ الهَوان من الذلّ والاستصغار [10] 10).
ولأنّ الهُون فيه استخفاف وإذلال للنفس الإنسانية، وهو أمرٌ عسير لا يرضاه الحرّ الأبيّ، لذلك اختيرت له الضمّة الثقيلة لمُلاءمتها ثقل معنى الذلّ على النفس، واختيرت الفتحة للهَون الذي هو اللين والسَكينة، لِما لها من خِفّة وسُهولة في النطق تُلائِم المعنى المُراد.
وهناك أمثلةٌ أخرى في هذا النوع من الاستبدال الفونيمي وردت في تفسير التبيان [11] 1).
3 ـ الاستبدال الفونيمي بين الكسرة والفتحة:
(1) فصلت:17.
(2) ينظر: ديوان الحطيئة ... .
(3) التبيان 6/ 394.
(4) لسان العرب (هون) 13/ 439.
(5) التقفية في اللغة (هون) 657.
(6) ينظر: (هون) الصحاح 6/ 2218، ولسان العرب 13/ 439.
(7) مقاييس اللغة (هون) 6/ 21
(8) تفسير مفردات ألفاظ القرآن الكريم 901.
(9) معاني القرآن للفراء 2/ 107.
(10) غريب الحديث لابن قتيبة1/ 502، وجامع البيان 14/ 84، 124، ومعاني القرآن الكريم4/ 76، وجواهر
الحسان 4/ 85، والجامع لأحكام القرآن 13/ 68، 15/ 349.
(11) ينظر: الأكل 2/ 339، والحب 6/ 100، والروح 9/ 511.