الصفحة 51 من 337

في قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125] ، إذ فسّر الطوسي لفظ (الخليل) بأنّه مشتقّ من الخُلّة، وهو (( بضمّ الخاء الصداقة، والخَلّة بفتح الخاء: الحاجة، واستعمل في الحاجة للاختلال الذي يلحق الفقير فيما يَحتاج إليه، والخُلّة بمعنى الصداقة؛ فلأنّ كلّ واحد منهما يسدّ خلل صاحبه في المودّة والحاجة ) ) [1] 2).

والخَلّة لغة من الخَلّ بمعنى الفَرجة أو الخلل بين الشيئين، ومنه الخَلّة: الفقر؛ لأنّه فرجة في حاله. والخليل: الفقير [2] 3)، وقيل: إنّ الخَلّة هي الاختلال العارض للنفس، إمّا لشهوتها لشيءٍ أو لحاجتها إليه [3] 4) ثمّ اختصّت لمن به خلّة شديدة أي خَصاصة، فخلّ الرجلُ بمعنى افتقر، واختلّ الى كذا: احتاج إليه [4] 5)

أمّا الخُلّة ـ بالضمّ ـ فهي الصداقة المختصّة التي ليس فيها خَلل، تكون في عفاف. يقال خاللتُ الرجل خلالًا بمعنى: صادقته، والخِلّ الوِدّ والصديق، والخليل: الصديق [5] 6)؛ لأنّ المودّة تتخلّل النفس وتتوسطها، أو لأنها تخِلّ بالنفس فتشعر بالحاجة إلى ذلك الصديق [6] 7).

وقيل في معنى الخليل في هذه الآية: إنّ إبراهيم (عليه السلام) كان يوالي في الله، ويعادي في الله، ويحب في الله ويبغض في الله، فاتخذ ربّه خليلًا لا يبغي سواه [7] 8). وقيل: هي من الافتقار، والمعنى: إنني أبرأ من الاعتماد أو الافتقار إلى غير الله، وإنّما أُنزلُ فقري وحاجتي بالله تعالى [8] 9).

والخلّة التي بمعنى الحاجة تختصّ بالحاجة الماديّة من مال أو طعام أو أمور معيشية، وهي ممّا يمكن أن يحصل عليه الإنسان بوسيلة أو بأخرى فهي بهذا مَيسورة الحصول، ولذا عبّر عنها بالفتحة الخفيفة، على حين أنّ الخلّة التي بمعنى الصداقة تختصّ بأمر معنوي، قد يصل إلى درجة التعلّق الشديد بين الخلّين بحيث لا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر، وهذا التعلّق الروحي تُكابد فيه النفس أحاسيس أصعب من الحاجة الماديّة. ولذا وردت الضمّة لتحاكي هذه الصعوبة والمُعاناة النفسية. وقد أشار الطوسي إلى شيء قريب من هذا المفهوم في موضع آخر، وهو أنّ العرب تختار للأشياء الماديّة الحركة الخفيفة، وللأشياء المعنويّة الحركة الثقيلة، وسنقف عليه إن شاء الله فيما هو قابل.

(1) التبيان 3/ 341.

(2) مقاييس اللغة (خلّ) 2/ 155ـ156.

(3) تفسير مفردات ألفاظ القرآن الكريم (خلّ) 293.

(4) لسان العرب (خلّ) 11/ 215ـ217.

(5) المصدر نفسه.

(6) تفسير مفردات ألفاظ القرآن الكريم293.

(7) جامع البيان 5/ 297، والجامع لأحكام القرآن 5/ 401.

(8) جواهر الحسان 1/ 417، والجامع لأحكام القرآن 10/ 300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت