الصفحة 48 من 337

وفي ذلك يقول ابن جني (( النَضْح بالحاء غير المعجمة للماء السخيف يخِفّ أثرهُ، وقالوا: النَضْخُ بالخاء لما يَقوى أثرُه قبيل الثوب ونحوه بللًا ظاهرًا؛ وذلك لأنّ الخاء أوفى صوتًا من الحاء، ألا ترى إلى غِلَظ الخاء ورِقّة الحاء ) ) [1] 1).

وقد جعل الطوسي لهذه العين النضّاخة ميزة تفرقها عن غيرها من العيون المتدّفقة، هو أنّ الماء فيها يتفجّر (صُعُدًا) أي يتدّفق باتجاه العلوّ لقوّته وشدّة اندفاعه، وفي هذا إشارة إلى الخّير الوافر، والنعم المُمتعة والمَنظر الحسن الذي يَفيض على أهل الجنة، وهو ما أيّده أيضًا فخر الدين الرازي (ت606هـ) في تفسيره، إذ جعل صعود الماء إلى أعلى شرطًا في الوصف بالنضخ، وليس قوّة الماء فحسب [2] 2).

ب ـ الاستبدال الفونيمي في الصوائت القصيرة (الحركات) : ( Vowels)

تقوم الحركات في العربية بوظيفتين [3] 3): الأولى: عامّة ترجع إلى كون الصوامت أصواتًا لا يمكن النطق بها من غير أن تكتنفها الحركات، فلا كلامَ بلا حركات، وحياة الحَرف بحركته وموته بفقدها، وقد كان سيبويه مُصيبًا حين سَمّى الحرف الساكن مَيّتًا والحرف المتحرك حيًّا [4] 4).

والأخرى: خاصّة ترجع إلى ما تؤدّيه الحركة في نظام العربية من تغيّر في معاني الجذر الواحد، أي أنّها تفرّق بين الدلالات وتميّز بين الصيغ، إذ تتقابل الحركات في مباني الألفاظ فتحدث تغيّرًا واضحًا في معانيها. فنتجت من ذلك ظاهرتا المثنيات والمثلثات، فغالبًا ما يحصل تغيّر البناء في العربية من طريق المُغايرة بين الصوائت القصيرة (الحركات) على وفق تبادل مُنسّق يخضع لنظام العربية وأسلوبها في تركيب أصوات الكلمة.

ويُسمّي بعض المحدثين هذه الظاهرة نظام تعاقب المُصوّتات أو التحوّل الداخلي، ويعدّه المَنبع السهل الذي تستعين به اللغة لتستحدث من أصولها الثلاثية ثروة هائلة من المفردات [5] 5).

وقد وقف علماء العربية عند هذه الفوارق الصوتية القائمة على اختلاف الحركة، فبيّنوا أنّ العربية تتّخذ من الحركة وسيلةً للتفريق بين معانٍ متقاربةٍ، وسعَوا إلى الكشف عن هذه المعاني [6] 6).

وأقوى الحركات هي الضمة، وتليها الكسرة، وأخفهنّ الفتحة، وقد أدرك القدماء أنّ صفتي القوّة والضَعف تتّصلان بالمعنى، وأشاروا إلى ذلك ومنهم سيبويه [7] 1) والمبرد [8] 2) (ت285هـ) وابن جني [9] 3)،والشريف الرضي [10] 4)، والرضي الاسترابادي [11] 5) (ت 686هـ) ، وغيرهم.

(1) المحتسب 2/ 19، وينظر: الخصائص 2/ 160.

(2) التفسير الكبير10/ 29/379.

(3) الفروق اللغوية 203.

(4) دراسات في اللغة والنحو: 35، وينظر: الكتاب 2/ 164، 222، 362، 367، 369، 370.

(5) العربية الفصحى 58.

(6) ينظر: إصلاح المنطق: ابن السكيت 37، وتأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة 483، وتفسيرغريب القرآن: ابن

قتيبة 48، 54، 122، وأدب الكاتب: ابن قتيبة 307، والفصيح: ثعلب 330، والفائق في غريب الحديث: جار

الله الزمخشري1/ 409.

(7) الكتاب 2/ 258، 297.

(8) المقتضب: المبرّد 2/ 189.

(9) الخصائص 1/ 69، والمحتسب 2/ 18 ـ 19، 3/ 17.

(10) تلخيص البيان في مجازات القرآن: الشريف الرضي318.

(11) شرح الكافية: الرضي الاسترابادي1/ 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت