الصفحة 46 من 337

السريع في عبادة الله تعالى [1] 2).وقيل (السبح) الفراغ [2] 3).وأما السَبخ فهو الخِفّة في الشيء، يقال للذي يسقط من ريش الطائر السبيخ، ولِما يتطاير من القطن عند الندف السبيخ أيضًا [3] 4).

وبتعدّد هذه المعاني في القراءتين [4] تعدّدت تفسيرات المفسّرين لهذه الآية، فعن ابن عباس (ت 68هـ) أنّ المراد: لك فَراغ طَويل في النهار لنَومك وراحَتك، فاجعل ناشِئة الليل لعبادتك [5] 6)، وقيل: هي النوم، فلك نومٌ طويل في النهار لتستعين به على قيام الليل [6] 7). وعن قراءتها بالخاء قيل: هي التَوسِعة والخِفّة والاستراحة، مأخوذة على سبيل الاستعارة من تسبيخ القطن والصوف، والمعنى أنّ لك في النهار سعةً لقضاء حوائجك ولك مُتّسع للتصرّف والتقلّب وانشغال البال وتفرّق القلب بالشواغل الدنيوية [7] 8).

وقد عرفت العربية تعاقُب الحاء والخاء على طائفة من ألفاظها، وقد ترد أحيانًا بمعنى واحد، الأمر الذي دعا بعض المحدثين إلى ترجيح أن تكون (سَبَح َوسَبَخَ) بمعنىً واحد، وأنّ هذا التغيّر الفونيمي لم يؤدّ إلى تغيّر دلالي، وأنّ القراءة بالحاء تُعزى إلى أهل الحاضرة، على حين تُعزى القراءة بالخاء إلى أهل البادية، لِما يمتاز به هذا الصوت من الفَخامة والإطباق التي يميل إليها أهل البادية [8] 9).

ولكنّ الراجح لدى الباحثة هو أنّ التغيّر الدلالي حاصِل؛ لأنّ لكلٍّ منهما أصل لغوي ثابت يختلف عن الآخر، فالسَبح غير السَبخ والعَلاقة بينهما توحي بإمكان البَدَل: إذ هُما مُتقاربان مَخرجًا وصِفة ً، فكلاهما رِخو مَهموس [9] 10)، وهما مُتجاوران، إذ الحاء حلقية والخاء طبقية [10] 11)، كما أنّ معنييهما يتناسب وسياق الآية، فعلى هذا لامسوّغ لإنكار أثر الفونيم في هذا الاستبدال، إذ يصبّ كلّ منهما في مسار معنوي موازٍ للآخر ليُعطيا معًا البُعد الدلالي المُوحَّد للآية، وهو أنّ للإنسان مُتّسعًا من الوقت والراحة والنوم والعمل في النهار، يتصّرف فيه كيف يشاء، فليجعل إذًا جزءًا من الليل للعبادة وذكر الله والتقرب إليه.

(1) تفسير مفردات ألفاظ القرآن الكريم (سبح) 402.

(2) لسان العرب (سبح) 2/ 470.

(3) مقاييس اللغة (سبخ) 3/ 126.

(4) قرأها يحيى بن يعمر بالخاء، وقرأها الباقون بالحاء. ينظر: مختصرفي شواذ القراءات من كتاب البديع: لابن

خالويه164.

(5) جامع البيان 29/ 131، والجامع لأحكام القرآن 19/ 42.

(6) البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي 8/ 363.

(7) ينظر: معاني القرآن للفراء 3/ 197، جواهر الحسان في تفسير القرآن: الثعالبي 4/ 353، والكشاف 4/ 639،

ومدارك التنزيل وحقائق التأويل: النسفي4/ 291، والجامع لأحكام القرآن 19/ 42.

(8) الدلالات اللغوية والتغيرات الفونيمية 55 ـ56.

(9) الكتاب 4/ 433 ـ 434

(10) المحيط في أصوات العربية 18 ـ19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت