الصفحة 44 من 337

وشغف القلب: هو رأسه المُعلّق عند النياط، وشعفه الحب: أي وصل إلى رأس قلبهِ [1] 1)، وقيل شغفه الحب: أحرق قلبه [2] 2).

وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، من غير أن يخرجوا عن القول بدلالتها على شدّة حب زوجة العزيز ليوسف (عليه السلام) ، فذكر بعضهم أنّ حب يوسف قد خرق شغاف قلبها ووصل إليه [3] 3)، وذكر آخرون أنّه بلغ حبّه القلب وسويداءه [4] 4)، وقيل: قد دخلَ تحت شغافِ قلبِها وغلبَ عليه [5] 5).

وفُسّرت قراءة اللفظ بالعين بمعنى: أحرق قلبها. وأصله من البعير الذي يُهنأ أو يُحنّى بالقطران لعلّةٍ أصابته، فتصل حرارة ذلك إلى قلبه، ويستشهد الجوهري (ت بعد 398هـ) لهذا المعنى ببيت امرئ القيس الذي ذكره الطوسي شاهدًا على أنّ (الشَعَف) هو رؤوس الجبال [6] 6). وليس ثمّة صلة بين رُؤوس الجبال وقول امرئ القيس (شَعَفت فؤادها) بل مُراده: أحرقتُ قلبها. ويبدو أنّ الطوسي روى هذا البيت لشُهرته، ونُدرة الشواهد الواردة فيها كلمة (شَعَف) ، وتشهد بذلك المعجمات اللغوية، فهي جميعًا تتّفق على شاهدٍ واحدٍ هو قول امرئ القيس المذكور سالفًا.

وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإنّ معنى الآية عند أغلب أهل اللغة أنّه قد ذهب بها كلّ مذهب [7] 7)، ورُوي عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت 224هـ) أنّ القراءتين بمعنىً واحد، وهو عِشق مع حُرقة [8] 6)، الأمر الذي دعا بعض المحدثين إلى القول إنّ معنى القراءتين سواءٌ وإنّ اللفظين بمعنىً واحد، فليس ثمّة تغيّر دلالي ولا استبدال فونيمي، وإنّما هو إبدال لَهَجي، واحتجّ لذلك بأنّ المقابلات الصوتية بين اللغات كشفَت أنّ الغين المُعجمة في العربية تقابل العين المُهملة في كلّ من لغات المجموعة الكنعانية والآرامية، وعلى هذا فالمادة الأعجمية (شَعَف) تقابل المادة العربية (شَغَف) ، وسياقها في قصة يوسف يُرشّحها لهذا الاحتمال [9] 8).

ولكن هذا القول يقودنا إلى تكلّف افتراض وجود لفظة أعجمية في القرآن الكريم على الرغم من وجود مثيلها العربي الذي يتفق والسياق القرآني لفظًا ومعنى، فـ (شَعَفَ) في العربية بمعنى

(1) مقاييس اللغة 3/ 195.

(2) الصحاح 4/ 1382.

(3) معاني القرآن: الفراء 2/ 42، والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات وعللها: ابن جني 1/ 339،

والكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التنزيل: جارالله الزمخشري2/ 462.

(4) معاني القرآن وإعرابه: الزجاج 3/ 105.

(5) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: محمد بن علي الشوكاني 3/ 21 ـ 23.

(6) الصحاح 4/ 1382.

(7) معاني القرآن للفراء2/ 42،وجامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري 12/ 197 ـ 200، ومعاني القرآن

الكريم: أبو جعفر النحاس 3/ 418، والتفسيرالكبير: فخر الدين الرازي6/ 18 / 447 ـ 448، والجامع

لأحكام القرآن: القرطبي9/ 176.

(8) الغريب المصنف: أبو عبيد القاسم بن سلام ... . وينظر: المزهر 1/ 553.

(9) الدلالات اللغوية والتغيّرات الفونيمية: اسماعيل أحمد الطحان 47 (بحث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت