أحدهما: لساني يتمثّل في المَنطوق، وهو لديه (( أثرٌ دالّ على المعنى الذي تحته ) ) [1] ، ويَشترِط فيه أن يكون مَنطوقًا مَسموعًا، (( فالمتكلم: مَن رفعَ ماسمّيناه كلامًا بحَسب دواعيه وأصوله وأحواله، وربّما عُبّر عنه بأنّه الفاعل للمتكلم ... ) ) (2) .
والآخر: نفسي، إذ يَرفض تسمية المعاني النفسيّة كلامًا، (( وليس المتّكلم من حلّ الكلام؛ لأنّ الكلام يحلّ اللسان والصدر ولا يوصفان بذلك ) ) (3) .
فالمعاني النفسيّة لا تُسمّى كلامًا حتى تظهر للوجود بالإنجاز الفعليّ، والكلام لديه فعل موضوعيّ منفصل عن صاحبه، ويتألّف من مراتب تُمثّل مراحل الوجود الكلامي، أولاها: صورةٌ في الذهن الذي عبّر عنه (بالصدر) ، والمُراد به القلب الذي كان في عُرف القدماء يُرادف العقل في عُرف المحدثين؛ لأنّه موضع التفكير والتوليد اللغوي، والأخرى: مرحلة الإنجاز الفعلي الذي محلّه جهاز النطق، فلا يُسمّى الفاعل متكلّمًا إلا إذا حلّ الكلام في جهازه النطقي، وظهر إلى الوجود الحقيقي.
وإنّ أيَّ تلفّظ كلامي لا بدّ فيه من عمليّتين إحداهما سابقة على الأخرى، تتمثّل الأولى في: انتظام المعاني في الذهن ويصحَبها حُسن اختيار الدَلالات المناسبة للموقف الكلامي، أمّا الأخرى فتتمثل في: انتظام المعاني في ألفاظٍ وتراكيب بأنساقٍ مختلفة.
وقد كان مفهوم الكلام النفسي موضع خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة تولّد عنه خلاف في المفاهيم العقيدية والدينية. فالأشاعرة لا يفصلون بين الاسم والمُسمّى؛ ولذلك هم يجعلون المعاني النفسيّة كلامًا، أمّا المعتزلة فيفصلون الاسم عن المُسمّى، ولذلك هم لا يَعدّون المعاني النفسية كلامًا، إذ تتداخل المستويات الانفرادية والتركيبية لدى الأشاعرة على حين يفصل المعتزلة بين الأشياء على مستوى الإفراد والتركيب معًا [2] .
وقد أشار الأصوليون إلى ما قال به المعتزلة، قال الآمدي (ت631هـ) : (( اعلم أنّ اسم الكلام قد يُطلَق على العبارات الدالّة بالوَضع تارةً، وعلى مدلولها القائم بالنفس تارةً، والمقصود هاهنا إنّما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني ) ) [3] .
وإنّما أنكر هؤلاء تسمية المعاني النفسيّة كلامًا، لأنّ هذه المعاني المتردّدة في النفس تُشكّل عوامل دَلالية قد تبرز للوجود في مظاهر تعبيريّة لسانيّة وغير لسانيّة، وفي هذا فصل بين الصورة السمعيّة للكلام والأثر السيكولوجي لها [4] .
(1) و (2) و (3) التبيان 1/ 168.
(2) الاتجاه العقلي في التفسير: نصر حامد أبو زيد 83.
(3) الإحكام في أصول الأحكام: الآمدي 1/ 71، وينظر: علم الدلالة، أصوله ومباحثه في التراث العربي 214.
(4) علم الدلالة، أصوله ومباحثه في التراث العربي 214.