أمّا خلاف الأصوليين فكان في زمن امتثال المخاطَب لفعل الأمر، إذ نفى أغلبهم اختصاص الامتثال بزمن معيّن، وأشاروا إلى أنّ الامتثال هو المفهوم من صيغة الأمر، وهو المراد سواء تأخّر أم تقدّم؛ لأنّ المتبادر من الأمر طلب إيجاد حقيقة الفعل [1] ، وهو إيقاعه.
وهذا ما ذهب إليه الطوسي أيضًا، إذ ذكر أنّ فريقًا من الفقهاء استدلّوا بقوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ} [آل عمران: 133] ، على أنّ الأمر يقتضي الفور دون التراخي؛ لأنّه تعالى أمر بالمسارعة والمبادرة إلى المغفرة، وذلك يقتضي التعجيل، ونقل عن آخرين مخالفتهم ذلك الرأي محتجّين بأنّ المسارعة إلى ما يقتضي الغفران واجبة، وهي التوبة، ووجوبها على الفور، ولكن لا يمكن القول بأنّ جميع المأمورات كذلك [2] .
ومفهوم الوجوب على الفور في دلالة الأمر تخصّص في هذه الآية بدلالة السياق العقلي، إذ يحكم العقل بوجوب التوبة على الفور إرضاء لله تعالى ورغبةً في غفرانه. وهو ما أشار إليه الطوسي بطريق غير مباشر، وكأنّه يريد القول إن الأمر في حقيقته مجرّد من الدلالة على الزمن الفوري أو المتراخي. وإنّما يحدد السياق ذلك، وهو يجعل دلالة الفور والتراخي مقترنة بالمأمورات لا بالأمر.
2 ـ السياق ودلالة المشترك اللفظي:
سبق الحديث عن مفهوم المشترك اللفظي لدى الطوسي، وكيفية تعامله مع هذه العلاقة الدلالية [3] ، وأهم ما يعنينا في هذا الفصل عناية الشيخ بالسياق في تحديد دلالة المشترك اللفظي، إذ أكدّ ذلك بقوله: (( ومتى كان اللفظ مشتركًا بين شيئين، أو ما زاد عليهما، ودلّ الدليل على أنّه لا يجوز أن يريد إلا وجهًا واحدًا، جاز أن يقال إنّه هو المراد ) ) [4] . والدليل هو السياق بأنواعه: اللفظي والحالي والعقلي الذي يتحدّد بموجبه المراد من اللفظ المشترك.
وهذا ما ثبت في علم اللغة الحديث، إذ إن السياق لا يقوم على كلمة منفردة في الذهن، وإنّما يقوم على تركيب يوجد الارتباط بين أجزاء الجملة، فيضفي على اللفظ المشترك المعنى الملائم، من بين معانيه المتعدّدة [5] .
(1) ينظر المستصفى من علم الأصول 2/ 9، والمنخول في علم أصول الفقه111 ـ 112، والإحكام في أصول
الأحكام 2/ 242 ـ 250، ومعالم الدين: حسن بن زيد الدين العاملي216.
(2) التبيان 2/ 591 ـ 592.
(3) ينظر: ص126ـ131من الرسالة.
(4) التبيان 1/ 6.
(5) دراسات في فقه اللغة 358.