والحَكَم الفَصْل في تحديد دَلالات الأمر لدى الطوسي هو السياق بأنواعه المختلفة، فقد أكّد في مواضع بأنّ الأمر قد يخرُج بصورته المعهودة، ولكنّه يدلّ على غير الأمر بقرينةٍ تصحب الكلام [1] . فلكلّ أمر ظاهرٌ ومقتضىً [2] .
ومن أمثلته على ذلك قوله تعالى: {ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أيدِيَكُمْ وَأقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ ... } [النساء: 77] ، إذ ذكر أنّ هذه الآية نزلت قبل أن يفرض الله تعالى الزكاة على المسلمين؛ ولذلك (( فإن قيل: كيف يجوز ذلك، قيل: قد قال البلخي [3] في ذلك: أنّه يجوز أن يكون قوم من المنافقين عرضوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك ) ) (2) . ثم قال: (( والأقوى عندي أن يكون الله قال ذلك على وجه النَدب والاستحباب، دون الزكاة المقدّرة على وجه مخصوص ) ) [4] . فأفاد من السياق الحالي ـ وهو قصّة نزول الآية ـ في تحديد الدلالة المقصودة بالأمر.
وممّا يتصل بأثر السياق في دلالة الأمر، دلالته على الفور أو التراخي في أداء الفعل المأمور به، التي كانت موضع خلاف علماء العربية عامّة [5] . إذ يرى أغلب النحاة أنّ صيغة الأمر عمومًا هي لطلب القيام بالفعل من غير إشارة إلى زمن الفعل، وأمّا الامتثال للفعل المأمور به على سبيل الفور أو التراخي فهو مُقترن بالمُخاطَب [6] ، قال ابن هشام: (( إنّ الطلب من أقسام الإنشاء، وإنّ مدلول(قُمْ) حاصل عند التلفّظ به، ولا يتأخّر عنه، وإنّما يتأخّر عنه الامتثال، وهو خارج عن مدلول اللفظ )) [7] .
وقد اختلف البلاغيون والأصوليون في دلالة الأمر على الفور أو التراخي، فيرى السكاكي أنّ الأمر حقّه الفور؛ لأنّه الظاهر من الطلب ولا يُصرَف إلى التراخي إلاّ بقرائن الأحوال [8] . على حين أنكر ذلك الخطيب القزويني (ت739 هـ) مؤكّدًا أنّ الأمر في حقيقته طلَب حدوث الفعل، وأمّا الامتثال له بالفور أو التراخي فلا يكون إلاّ بالقرائن المصاحبة للنص [9] .
(1) التبيان 9/ 335.
(2) التبيان2/ 371.
(3) هو أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمود البلخي الحنفي (ت 319هـ) ،عالم متكلم معتزلي له تفسير لم يصلنا
ولكنه حفظ ذكره في كتب اللغة والتفسير لكثرة ما نقل عنه، استشهد الطوسي بطائفة من آرائه، ووصف تفسيره
بأنه ممن غلب عليه الفقه والكلام، ينظر: التبيان1/ 1، وطبقات المفسرين للداوودي1/ 222.
(4) و (3) التبيان 3/ 261.
(5) ينظر تفصيل ذلك في: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 101ـ110.
(6) ينظر الكشاف 2/ 140، 509، ونتائج الفكر في النحو ... .
(7) شرح شذور الذهب 32.
(8) مفتاح العلوم 153.
(9) الإيضاح في علوم البلاغة 1/ 145.