وذهب جمهور المفسّرين أيضًا إلى أنّ الأمر في أصله للوجوب إلاّ أنْ يدلّ الدليل على خلاف ذلك [1] . أمّا الأصوليون فقد اختلفوا في ذلك، فمنهم من رأى أنّ صيغة الأمر دالّة على الوجوب، ومنهم من قال: إنّها دالة على النَدب ـ والمَندوب هو: المستحبُّ غير الواجب، الذي لا يأثَم تاركه، ولكنّ فعلَه خيرٌ من تركهِ [2] ـ ومنهم من قال إنّها مشتركة بينهما. وتوقف طائفة منهم عن تحديد دلالة الأمر المطلقة، جاعلين ذلك معتمدًا على السياق، الذي يخصّصه بإحدى الدلالات المحتملة [3] .
وذهب جمهور الفقهاء والأصوليين إلى أنّ صيغة الأمر المطلقة والمجرّدة من القرائن دالّة على الوجوب، ويصرِفها إلى غير هذا المعنى ما يحفُّ بها من سياقات أو قرائن متّصلة ومنفصلة [4] ، وهو الأرجح والأقوى بدليل الأصل اللغوي الذي يجعل عدم الامتثال للأمر عصيانًا.
وقد عُني الطوسي بأسلوب الأمر كما ذكرنا سالفًا [5] ، وقد نصّ على أنّ الأمر في أصل وضعه اللغوي يقتضي الوجوب، أو على حدِّ تعبيره (الإيجاب) ، إلا أنّه قد ينصرف عنه بدليلٍ، فيخرج إلى النَدب وغيره من المعاني الثانوية [6] .
إلا أنّه على الرغم من ذلك لا ينكر القول بدلالة ظاهر الأمر على النَدب؛ إذ لا يشترط الوجوب شرطًا أساسًا، بدليل ما ورد في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَا رَزَقنَكُمْ وَاشْكُرُواْ للهِ} [البقرة: 172] فقد ذكر أنّ (( قوله:(كُلوا) ظاهره ظاهر الأمر والمراد به الإباحة والتخيير؛ لأنّ الأكل ليس بواجبٍ إلاّ أنّه متى أراد الأكل، فلا يجوز أن يأكل إلاّ من الحلال الطيّب، ومتى كان الوقت وقت حاجة فإنّه محمول على ظاهره في باب الأمر، سواء قلنا إنّه يقتضي الإيجاب أو النَدب )) [7] . فالأمر لديه يحتمل الوجوب والندب، غير أنّ جواز إحدى هاتين الدلالتين بعد الأخذ بالظاهر، له سياقه الحالي الذي يخصّصه، وهو: كون الوقت وقت الحاجة إلى الأكل، إذ يكون الأمر حينئذٍ واجبًا أو مندوبًا، لأنّ في تركه أذىً لجسم الإنسان.
(1) ينظر جامع البيان 4/ 238، والكشاف 1/ 343ـ344، والجامع لأحكام القرآن1/ 449.
(2) الإحكام في أصول الأحكام1/ 170ـ173، ودراسات في أصول تفسير القرآن: محسن عبد الحميد 40.
(3) ينظر المستصفى من علم الأصول 1/ 423، والإحكام في أصول الأحكام 1/ 137 ـ 139،170ـ176.
(4) ينظر: البرهان في أصول الفقه 1/ 216، وأصول السرخسي 1/ 15،والمحصول في علم أصول الفقه 1/ 2/57،
وأسباب اختلاف الفقهاء 77.
(5) ينظر: ص 229ـ232من الرسالة.
(6) التبيان 3/ 107 ـ 108، وينظر منهج الطوسي333.
(7) التبيان 2/ 81.