الصفحة 281 من 337

على ما قالوه، على أنّها لو نزلت في النجاشي أو من ذُكِر، لم يمنع ذلك من حملها على عمومها في كلّ مَن أسلمَ مِن أهل الكتاب؛ لأنّ الآية قد تنزل على سببٍ وتكون عامّة في كلّ من تتناوله )) [1] .

وقد ذكر الواحدي أنّ المنافقين لمّا استنكروا من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يصلّي على حبشي نصراني، أنزل الله هذه الآية لبيان مكانته [2] . ونقل عن مجاهد أنّه رجّح القول بنزولها في مؤمني أهل الكتاب عامّتهم، وأيّده في ذلك طائفة من المفسّرين مستدلّين بأنّ الآية بدأت بذكر الكفّار ومصيرهم، ثم انتقلت إلى بيان المؤمنين وثوابهم [3] .

ومنه أيضًا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ} [النور: 23] ، فقد ذكر الشيخ أنّ هذه الآية لمّا نزلت في عائشة توهّم الناس أنّ الوعيد خاصٌ فيمن قذفها، وأنكر ذلك؛ (( لأنّ عند أكثر العلماء المحصّلين أنّ الآية إذا نزلت على سببٍ لم يجِبْ قصرها عليه، كآية اللعان، وآية القذف، وآية الظهار وغير ذلك، ومتى حُملَت على العموم دخل مَن قذف عائشة في جملتها ) ) [4] .

وقد تحقّق العموم بوجود الاسم الموصول (الذين) الدالّ على العموم والشمول باتفاق الأصوليين، لذا وجب حمل هذه الآية على العموم. فيصير اللعن على كلّ من قذف المُحصَنات في كلّ زمانٍ ومكانٍ [5] .

ويستعين الطوسي بالسياق اللفظي في حمل الآية على العموم، من ذلك قوله تعالى:

{الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] فقد ذكر اختلاف المفسرين في معناها. فعن ابن عباس: أنّها خطاب لجميع الكفار من عُبّاد الأصنام وأهل الكتابين؛ لأنّ معنى قوله: (وأنتم تعلمون) أنّه لا ربَّ لكم يرزقُكم غيره، وأنّ ما تعبدون لا يضرّ ولا ينفع، وجعلها مجاهد خاصّة بأهل الكتابين؛ لأنّهم الذين كانوا يعلمون أنّه لا خالقَ غيره ولا مُنعِمَ عليهم سواه، والعرب لم تكن تعتقد بوحدانيته تعالى. ورجّح الطوسي القول الأول؛

(1) التبيان 3/ 93.

(2) أسباب النزول 80 ـ 81، ولم أقف على رأي مجاهد في تفسيره.

(3) ينظر جامع البيان 4/ 218 ـ 220،والجامع لأحكام القرآن 2/ 81.

(4) التبيان 7/ 422، وينظر في آيتي اللعان والظهار 7/ 421، 9/ 541.

(5) ينظر جامع البيان 18/ 103 ـ 105، ومعاني القرآن الكريم 4/ 513،ومجمع البيان 4/ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت