الصفحة 280 من 337

د ـ خصوص السبب وعموم المعنى:

قد تنزل الآية القرآنية لسبب محدّد، ولكنّها تصدق على حكمٍ عامٍّ، إذ تصلح أن تتعدّى حدودها فلا يقتصر حُكْمها على الواقعة لينقضي بانقضائها، وإنّما هي تنطبق على الجميع عمومًا، فيبقى حكمها عامًّا، قال الطوسي: (( عند أكثر العلماء المحصّلين أنّ الآية إذا نزلت على سببٍ لم يجِبْ قصرُها عليه ) ) [1] . وهو ما قال به طائفة من علماء اللغة والأصول والتفسير [2] . مستدلّين على الأخذ بعموم اللفظ باحتجاج الصحابة وغيرهم بعموم آياتٍ نزلَتْ في أسبابٍ خاصّة [3] .

وتعدّ هذه الظاهرة من الوسائل التعبيريّة في إبلاغ القرآن وبيانه، لأنّ هذا النصّ الكريم، لا يخصّ قومًا من دون آخرين، ولذا فإنّ جمهور الأصوليين يرَوْن أنّ العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [4] ، إذ إن الخطاب القرآني باقٍ على مدى الأزمان؛ لأنّ أحكامه ومبادئه وقوانينه شاملة عامّة تصلح لكلّ زمان ومكان. فالقرآن (( خطاب يعمّ حكمه جميع المكلّفين عند النزول، ومن سينتظم في سلكهم من الموجودين حينئذ، والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة عند انتظامهم فيه، ... فإنّ الإجماع منعقد على أنّ آخرَ الأمّة مُكلَّفٌ بما كُلِّفَ به أوّلها، كما ينبئ عنه قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ:(الحلال ما جرى على لساني إلى يوم القيامة، والحرام ما جرى على لساني إلى يوم القيامة) [5] ، أمّا الأمم الدارجة قبل النزول فلا حظّ لهم في الخطاب لاختصاص الأوامر والنواهي، بمن يُتصوّر منه الامتثال )) [6] .

وقد أشار الشيخ في أكثر من موضع في تفسيره إلى أنّ خصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ والمعنى، ويُعرف ذلك من السياق وما يرافقه من قرائن لفظيّة أو حاليّة أو عقليّة، ومن ذلك وقوفه عند قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ للهِ ... } [آل عمرن: 199] . فقد ذكر اختلاف المفسّرين فيمن نزلت هذه الآية فقيل: هي في جماعة النجاشي حين توفي وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه بالصلاة عليه والاستغفار له، وقيل: نزلت في جماعة من اليهود كانوا أسلموا، وقيل: نزلت في كلّ مَن أسلمَ مِن أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وعدّ هذا الأخير: (( أولى، لأنّه عموم الآية ولا دليل يقطع به

(1) التبيان 7/ 422.

(2) ينظر: المستصفى من علم الأصول 2/ 32، ومجموعة تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية 65 ـ 66،وينظر: البرهان

في علوم القرآن 2/ 217 ـ 253، والميزان 1/ 42.

(3) الإتقان في علوم القرآن 1/ 85.

(4) ينظر: مناهل العرفان 1/ 118 ـ 120، والقرآن والتفسير 68، وأصول الفقه للخضري 171.

(5) ينظر

(6) إرشاد العقل السليم 1/ 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت