التبعيض، والمعنى: خلقَ كلّ شيء، على حين خصّصت (خَلقَ) الثانية بذكر الإنسان؛ لأنّ التنزيل إليه؛ ولأنّه أشرف ما على الأرض [1] .
3 ـ الزجر والتهديد: في مثل قوله تعالى {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ} [البقرة: 95] ، وقوله {فَإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] ، إذ بيّن الطوسي أنّ الله تعالى اسمه اختصّ الظالمين والمفسدين بالذكر، مع أنّه عالم بغيرهم على سبيل الزجر والتهديد وكأنه يقول (( عليم بك بصير بما تعلمه ) ) [2] . وإنّما اعتمد ذكر الصفة هنا لتعلّق غرض السياق بها في الذمّ [3] ، وفيه تقريع لليهود [4] ، وقيل هو تهديد؛ لأنّهم كذّبوا رسول الله، وتنبيه على ظلم بني آدم عامّتهم [5] ، فقد حُملت الآية على العموم لأنّ ذكر الظالمين أعمّ من ذكر الكافرين، فكلّ كافر ظالم وليس كلّ ظالم كافر، فقد يكون يهوديًا أو نصرانيًا بل ومسلمًا، لكنّه ظالم مُستبدّ [6] .
4 ـ الترغيب: ومنه قوله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] ، فقد بيّن الطوسي أنّه سبحانه وتعالى (( خصّ الخير بالذِكر، وإن كان بيده كلّ شيء من خيرٍ أو شرٍّ؛ لأنّ الغرض ترغيب العبد، وإنّما يُرغَّب في الخير دون الشرِّ ) ) [7] ، فهو مطلوب العباد ومرغوبهم، وهو الأكثر وجودًا في العالم، فضلا من أن إضافة الشر إلى الله تعالى ليس من باب الآداب في مخاطبة الخالق عزّ وجلّ [8] .
وقد تمثّلت في هذه الآية جملة دَلالات أشار إليها الرازي هي:
1 ـ عموم الخير بدلالة (أل) التعريف.
2 ـ حصر الخير بيد الله تعالى بدلالة تقديم الجار والمجرور (بيدك) على المبتدأ.
3 ـ تخصيص الخير بالذكر؛ لأنّه الأمر المنتفع به.
4 ـ لا يمنع هذا التخصيص من أنّ عموم كل شيء بيد الله [9] .
(1) التفسير الكبير 11/ 32 / 216.
(2) التبيان 1/ 358، وينظر: 2/ 487.
(3) البرهان في علوم القرآن 3/ 153.
(4) جامع البيان 2/ 601.
(5) روح المعاني 1/ 329.
(6) التفسير الكبير 1/ 3 / 608.
(7) التبيان 2/ 431.
(8) ينظر: جامع البيان 3/ 222، والجامع لأحكام القرآن 4/ 55، والبرهان في علوم القرآن 3/ 119، والإتقان
في علوم القرآن 2/ 163، وروح المعاني 3/ 115.
(9) التفسير الكبير 3/ 8 / 190.