ويستدلّ الرازي على خصوص هذه الآية واستثناء أفعال العباد بقوله تعالى فيما بعد {قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبُّكُمْ فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام:104] فهو تصريح باستقلال العبد بأفعاله، وأنّ تلك الأفعال غير مخلوقة لله تعالى، فلو كانت كذلك لما أمكن دفعها، وبذا يمكن القول إن هذه الآية مع ما أثبتت من حقيقة، قد خصّصت عموم الآية التي سبقتها [1] .
ويفيد من هذا السياق أيضًا في تخصيص قوله تعالى على لسان نبيّه سليمان بن داود ـ عليهما السلام ـ {وَأُوتِيْنَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 16] ، قال الطوسي: (( لفظهُ لفظُ العُموم والمُراد به الخُصوص؛ لأنّه لم يؤتَ أشياء كثيرة، ويُحتمل أن يكون المراد(وأوتينا من كلّ شيء) علمًا وتسخيرًا في كلّ ما يصلح أن يكون معلومًا لنا ومسخّرًا )) [2] ، فالمعنى إنّ الله وهبنا كلّ شيء من الخيرات وفضّلنا على أهل دهرنا، ولكنّه بلا أدنى شك لم يبلغ ملك الله وقدرته، فالمراد من الآية هو المبالغة والكثرة وليس العموم، كما يقال: ما بقيت أحدًا حتى كلمته في أمرك [3] .
ويرتبط بهذا القول أيضًا قوله تعالى في وصف ملكة سبأ: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] ، فمن غير المعقول أن تملكَ كلّ شيء في الوجود، وإنّما المراد المبالغة في وصف ما تملكه من مالٍ وجاهٍ وسلطانٍ، وكلّ ذلك دنيوي، قال الطوسي: (( أي أُعطيَت كلّ شيء، لفظه لفظ العموم والمراد به المبالغة في كثرة ما أوتيَت من نِعَم الدنيا وسِعَة المُلك ) ) [4] .
فقد أفاد الطوسي من السياقين الحال والعقلي في التخصيص، فالحال الذي عليه الملكة وما يحيط بها من أخبار مُلكها، تؤكّد خصوصيّة مُلكها، فضلًا عن أنّ العقل يرفض العموم؛ لأنّه يدرك حقيقة أنّ ملك سليمان كان أعظم من مُلكها، وأنّ ملك الله أعظم من مُلكهما معًا [5] . وذكر الرازي أنّ اشتراك لفظَيْ (كلّ) و (بعض) في الدلالة على الكثرة أجاز استعمال (كلّ) في موضع بعض عند توفّر القرائن الدلالية [6] .
ج ـ أغراض العموم والخصوص:
(1) التفسير الكبير 5/ 13 / 95.
(2) التبيان 8/ 83.
(3) ينظر: جامع البيان 19/ 141، ومعاني القرآن الكريم 5/ 120، والتفسير الكبير 8/ 24 / 551، وإرشاد
العقل السليم 6/ 276 ـ 277.
(4) التبيان 8/ 88.
(5) ينظر: إرشاد الفحول 1/ 446.
(6) التفسير الكبير 8/ 24 / 548.