واجتناب نواهيه بدليل ذكر صفتهم، وهي أولي الألباب، إذ أنّ (( مَن ليس بعاقل لا يصحّ تكليفه ولا يحسُن، فلذلك خصّهم بالذكر ) ) [1] ، وأولوا الألباب هم أولوا العقول؛ لأنّ الألباب جمع لبٍّ وهو العقل [2] ، وخصّهم الله بالخطاب هنا لأنّهم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه ويتدّبرون آياته وحججه [3] .
2 ـ التثنية: ويُلحظ ذلك مثلًا في وقوفه عند قوله تعالى: {أن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} [الأنعام: 156] ، فقد ذكر الطوسي أنّ الآية خصّت نزول الكتاب على طائفتين من الطوائف الدينية الموجودة قبل الإسلام وهما اليهود والنصارى [4] ، وتحقّق هذا التخصيص بتثنية اللفظ وحصر عدده، فضلًا عن أنّ دخول (إنّما) على الجملة أفاد القصر والتخصيص.
3 ـ أسماء الجمع: كالذي في قوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقًَا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ} [الأنفال:5] ، إذ بيّن الطوسي أنّ هذه الآية خصّت فريقًا من المؤمنين وهم الكارهون القتال الذين جادلوا النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ذلك وأرادوا فقط كسب الغنيمة، وذكر أنّ هذا هو الظاهر وعليه أكثر المفسّرين [5] .
وقد أفاد الطوسي من السياقين الحالي والعقلي في تخصيص طائفة من الآيات، من ذلك قوله تعالى: {خَلِقَ كُلَّ شَيءٍ} [الأنعام: 102] ، الذي يدلّ لفظه على العموم، ولكنّ العقل يخصّصه ويحمِلُه على سبيل المبالغة لا العموم؛ وذلك (( لقيام الدلالة على أنّه لا يدخل فيه ما لم يخلقه من أصناف الأشياء من المعدوم وأفعال العباد والقبائح ) ) [6] . وقوله: بأنّ الله لم يخلق أفعال العباد والقبائح، من المبادئ التي أقرّها المعتزلة الذين قالوا: إنّ الإنسان هو خالق أفعاله عن حرية واختيار، ومن ثم فهي مستثناة بالدليل العقلي من عموم الآية، فقد وردت الآية مورد المبالغة (( كقول القائل أتاني الناس ولعلّه لا يكون أتاه إلاّ خمسة، فاستكثرهم وبالغ في العبارة ) ) [7] .
(1) التبيان 2/ 107.
(2) لسان العرب: (لبب) 1/ 730.
(3) جامع البيان 2/ 114ـ115، وينظر: مجمع البيان 1/ 227.
(4) التبيان 4/ 323.
(5) التبيان 5/ 79، وينظر: جامع البيان 9/ 181 ـ 183، والوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1/ 431.
(6) التبيان 4/ 222.
(7) النكت في إعجاز القرآن 104، وينظر: الاتجاه العقلي في التفسير 122.