الصفحة 275 من 337

ولايمكن الوقوف على الخطاب المخصّص إلاّ بفهم السياق الذي يرد فيه، ومعرفة أبعاده وقرائنه ودَلالاته، وهو ما أدركه الأصوليون والمفسّرون عامّة، وذكروا نوعين من الأدلّة المعينة على تحديد المُخصّص: المتّصلة والمنفصلة [1] .

تشمل المتّصلة منها جميع قرائن السياق اللفظي التي تشخّص التخصيص وتنفي العموم، ومنها الاستثناء، والشرط، والصفة، فضلا عن ألفاظ الإفراد والتثنية والجمع، وألفاظ العدد وأسماء الجمع، الدالة جميعها على انفراد المخصّص عن الحكم العام.

على حين تشمل الأدلة المنفصلة: السياقين الحالي والعقلي، وما يخرج عنهما من الأدلّة السمعية كالقرآن والسنّة، ودليلي الإجماع والقياس.

وقد أدرك الطوسي أثر السياق في تخصيص العام، وإن لم يكن يذكره بصريح العبارة، غير أنّه يشير إلى ذلك بصورة أو بأخرى في أثناء تعبيره عن أسباب تخصيص هذه الآية أو تلك، ويمكن أن نوجز أهم قرائن السياق اللفظي التي وجدها الطوسي باعثة على التخصيص ومسبّبة له، بما يأتي:

1 ـ الصفة: فقد تذكر في الآية صفة معينة يتّصف بها المقصود بالكلام من دون غيره، تحدّد المقصود وتعيّن المراد، من ذلك قوله تعالى: {وَلاَتَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَتٌ بَلْ أحْيَآءٌ وَلَكِن لاَّتَشْعُرُونَ} [البقرة:154] ، فقد ذكر الطوسي أنّ الآية اختصت بذكر الشهداء بدليل صفتهم، وهي القتل في سبيل الله، إذ ميّزهم الله بهذا الوصف من غيرهم من الناس [2] . وخصّهم بالذكر مع أنّ كلّ الناس خالدون في عالم البرزخ بين معذّب ومنعّم؛ لأنّ في ذلك إشارة إلى اختصاصهم بالقرب من الله تعالى [3] ، وإلى علوِّ منزلتهم في الجنّة ورفعة شأنهم [4] ، وإشارة أيضًا إلى رزقهم في الجنة والنعيم الذي يعيشون [5] ، وفيه ترغيب لنيل هذه الفضيلة السامية عند الله عزّ وجلّ.

ومنه أيضًا تخصيص المقصودين بالخطاب الإلهي في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقصَاصِ حَيَوةٌ يَأُوْلِي الأَلْبَبِ} [البقرة: 179] ، فقد خصّ المكلّفين المأمورين بالامتثال لأوامر الله

(1) ينظر: البرهان في أصول الفقه 1/ 402 ـ 409، والمستصفى من علم الأصول 2/ 99 ـ 106، والإتقان

في علوم القرآن 2/ 157 ـ 158، وإرشاد الفحول 1/ 417، 444 ـ 461.

(2) التبيان 2/ 35.

(3) أنوارالتنزيل وأسرار التأويل 1/ 430،

(4) التفسير الكبير 2/ 4 / 126.

(5) جامع البيان 2/ 39 ـ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت