يحمدهم على ما يفعلونه إذا فعلوه على ماأمرهم به، ومعناه أنّه يجازيهم به )) [1] ، إذ ليست بالله حاجة لما تُنفقون من طيّب أو رديء، وإنّما هو لُطف منه، يحثّكم على الخير ليجزي على ذلك الثواب والعقاب، وهو حميد يجازي المُحسن أفضل الجزاء، محمود على فعله الكريم سواء عذَّب أو أثاب، وفي هذه الآية ترغيب للإنفاق ووعد بالإثابة في دارَيْ الدنيا والآخرة [2] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وّأن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] . فقد بيّن الطوسي أنّ قوله تعالى: (العزيز الحكيم) متوافق مع سياق الآية والمعنى (( إنّك القادر الذي لا يُغالَب، وأنت حكيم في جميع أفعالِك فيما تفعله بعبادِك، وقيل: معناه إنّك أنت العزيز القدير الذي لا يفوتك مُذنب ولا يَمتنع من سَطوتك مُجرم،(الحكيم) فلا تضع العقاب والعفو إلاّ موضعهما، ولو قال: (الغفور الرحيم) كان فيه معنى الدعاء لهم والتذكير برحتمه، على أنّ العذاب والعفو قد يكونان غير صواب ولا حكمة، فالإطلاق لا يدلّ على الحِكمة والحُسن، والوصف بالعزيز الحكيم يشتَمل على العذاب والرحمة، إذا كان صوابًا )) [3] ، لأنّ ختم الآية بعبارة (الغفور الرحيم) يوحي بطلب المغفرة والدعاء بالرحمة، على حين أنّ قوله: (العزيز الحكيم) فيه بيان بأنّ الأمر كلّه لله يفعل بهم ما يشاء، إذ في كلّ أفعاله الحِكمة والصَواب، وهذا أبلغ في المعنى؛ لأنّ الحكمة تشتمل الغفران والرحمة وغيرهما [4] .
2ـ التناسب الدلالي في غير الفواصل: التفت الطوسي إلى تناسق اللفظ وائتلافه المعنوي مع التعبير كلِّه في الآية الواحدة، بما يؤكّد دقّة استعمال القرآن للألفاظ كلٌ بحسب موضعه. فمن ذلك إشارته إلى تناسب (الأخذ) مع (الرجفة) في قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ} [الأعراف: 91] ،إذ قال: (( لا يُقال أخذتْهُم الرحمة؛ لأنّ العذاب لمّا كان يذهب بهم إطلاقًا، صلُح فيه الأخذ ولا يصلُح فيه النعيم ) ) [5] .
والأخذ من الألفاظ التي تحتمل وجوهًا عدّة تبعًا لسياقاتها، فهو: القبول في نحو قوله تعالى: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] ، وهو العذاب والتعذيب [6] ، في نحو قوله تعالى:
(1) التبيان 2/ 346.
(2) نظم الدرر 4/ 90 ـ 91.
(3) التبيان 4/ 71.
(4) مجمع البيان 2/ 268.
(5) التبيان 4/ 470، وينظر منهج الطوسي 290.
(6) تأويل مشكل القرآن ... .