الصفحة 266 من 337

ولكنّه يختار من أوليائه الصالحين، وهو لِما له من صفات الكمال عالِمٌ ومحيطٌ بكلّ شيءٍ وقادرٍ عليه، لايَخفى عليه شيء ولايُعجزه أمر [1] .

ب ـ تناسب الألفاظ:

وهو على نوعين:

1 ـ التناسب الدلالي في الفواصل: وهو من الدَلائل المهمّة على التناسب الدلالي في القرآن، فالفواصل لم تأتِ لتحقيق التوافق الصوتي أو المظهر الموسيقي للآيات الكريمة فقط، وإنّما هي وسيلة من وسائل الإبلاغ والكشف عن معانٍ من النظم يُراد تبيانها والتأكيد فيها، ولذا فإنّ العدول الدلالي من لفظ إلى آخر لا يكون بغير قصدٍ، وإنّما ينتخب اللفظ انتخابًا ليكون متسقًا مع السياق ومؤتلفًا مع النظم بما يسوّغه المعنى [2] ، فيقع التناسب بين اللفظ والموضوع.

وقد أشار الطوسي إلى أثر السياق في اختيار الفواصل وعدّه من أعظم دَلالات فصاحة القرآن وجلالة مواقعِه [3] . ومن جملة ما وقف عنده قوله تعالى: {قَولٌ مَعْرُوفٌ وَمَغفِرَةٌ خَيرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أذَى وَاللهُ غَنِيٌ حًلِيمٌ} [البقرة: 263] ، إذ قال: (( ولو وَقع موقِع(حليمٍ) ، (حميد) ٌ أو (عليم) ٌ، لما حسُن؛ لأنّه تعالى لمّا نَهاهم أن يتّبعوا الصدقة بالمنِّ، بيّن أنّهم إن خالَفوا ذلك فهو غنيّ عن طاعتهم، حليمٌ في أن لا يُعاجلَهم بالعقوبة )) [4] . فالمَلك الحقّ المُبين الذي لا أعظم منه، غنيّ لا يقبل ما لم يأذَن فيه، ولكنّه مع كلّ ذلك حليم لا يُعاجل من عصاه، بل يرزقُه وينصرُه ويُمهلُه وهو يعصيه ويكفره [5] ، وإنَما كان ذلك صبرًا على مُجازاة العباد وإمهالًا لهم لعلَّهم يثوبون إلى رُشدهم ويرجعوا عن غيّهم.

على حين عدّ الشيخ لفظ (حميد) أكثرَ ملائمةً وانسجامًا لسياق قوله تعالى: {يَأَ يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أخْرَجْنَا لَكُم مِّن الأّرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أنَّ اللهَ غَنِيٌ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] ؛ (( لأنّه لمّا أمرهم بالإنفاق من طيّبات ما كسبوه، بيّن أنّه غنيّ عن ذلك وأنّه

(1) نظم الدرر 5/ 414 ـ 415، وينظر: الجامع لأحكام القرآن 5/ 402.

(2) بنظر: البحث الدلالي في تفسير الميزان 152.

(3) التبيان 2/ 237.

(4) التبيان 2/ 335.

(5) نظم الدرر 4/ 77 ـ 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت