الصفحة 265 من 337

بما قبلها أنّ الآية الأولى فيها دعاء إلى الصبر على الجهاد في سبيل الله، وفي هذه بيان لوجه النفقة في سبيل الله وكلّ ذلك دعاء إلى فِعل البَرِّ )) [1] .

فالسياق المعنوي لدى الطوسي هو الرابط بين الآيات التي تبدو دَلالاتها متباعدة. والإنفاق من صفات المؤمنين التي ذُكِرَت في هذه السورة وكُرِّرَت ترغيبًا في آيات متفرقة [2] . وقُرِن بالجهاد في مواضع أخَر [3] ، وقد جعله الله في المرتبة الثانية بعد الجهاد في سبيله وورد بصيغة الأمر والزمن الماضي (ما أنفقتم) ؛ للدلالة على العموم والشمول ولطمأنة الذين لايقدرون على الإنفاق الواسع [4] ، بأنّ كلّ ما يُنفقونه من خيرٍ هو في سبيل الله، وفي ذلك دلالة على أنّ الصبر على الجهاد ثمّ على النفقة وبذل المال هو من أعظم ما تحلّى به المؤمن وهو من أعظم الأسباب الموصِلة إلى الجنة [5] .

ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَمَن أحْسَنُ دِينًَا مِّمَّن أسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبرَهِيمَ حَنِيفًَا وَاتَّخَذَ اللهُ ابرَهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] ثم قوله: {وَللهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا في الأرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيءٍ مُحِيطَا} [النساء: 126] ، فقد ذكر الطوسي أنّه لمّا ذكر الله تعالى أنّه (( اتّخذ ابراهيم خليلًا؛ لطاعته ربّه وإخلاصه له العبادة ومسارعته إلى رضاه، بيّن أنّ ذلك بفضله لا من حاجة إلى خِلَّته، فقال: وكيف يحتاج إلى خِلَّته من له ما في السموات والأرض من قليلٍ وكثيرٍ ملكًا، و [هو] [6] مع ذلك مُستغنٍ عن جميع خَلقهِ، وجميعُ الخَلق يحتاجون إليه، فكيف يحتاج إلى خِلَّة إبراهيم، لكنّه اتّخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه وامتثاله لمايأمره به ) ) [7] . فبعد أن أخبر عمّن يُحبّه ويُرضيه، وعمّن يَبغضُه ويُغضبُه، أراد إزالة الوَهم في أن يؤخَذ كلامه على غير حقيقته ويُظَنّ أنّه في حاجة إلى الخليل، قال (ولله ما في السموات) فجعله المُختصّ بالوحدانيّة فلا كُفءَ له يملك السموات وما فيها، (وما في الأرض) ، أي إنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ وغيره وكلّ مَن على الأرض هو مُلكٌ لله ـ جلَّ شأنه ـ

(1) التبيان 2/ 200.

(2) ينظر: البقرة: 3، 219، 261، 262، 269، 274.

(3) ينظر: البقرة: 190 ـ 195، 214 ـ 215.

(4) نظم الدرر 3/ 212 ـ 213.

(5) البحر المحيط 2/ 142.

(6) غير موجودة في الأصل، ولكنّ المعنى لايستقيم من دونها.

(7) التبيان 3/ 342.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت