آخر، ولكن هذا تقييد وتحديد لمفهوم الدَلالة تولّد عن تأثّر الطوسي بالثقافات المنطقية والفلسفية التي سادَت عصرَه.
أمّا ما قال به الرمّاني، فهو المفهوم الحديث للدَلالة، إذ إنّها تومئ إلى المعنى وتوحي به سواء أمباشرًا كان أم غير مباشر. ولذا عدّ أبو هلال العسكري الدَلالة أعمّ من البُرهان [1] .
ومساواة الطوسي الدَلالة بالعَلامة والبَيان والبُرهان، إشارة إلى دَلالة هذا المصطلح على الإفهام والوُصول إلى المعنى بنحوٍ عام، لكنّه لم يفُتهُ الإشارة إلى مَفهومها الخاص، وهو المفهوم اللغوي والاصطلاحي، وذلك حين ساوى بينها وبين الرسالة، فهما لديه (( جملة مضمّنة بمن يصل إليه ممّن قُصد بالمخاطبة ) ) [2] ، ففي كلٍّ منهما يتحقق معنى الإرسال، الذي يُراد به (( التوجّه بالرسالة والتحميل لها لتؤدّى إلى مَن قُصِد ) ) (3) . فالدَلالة تحمل المعنى للمُخاطَب، كما تَحمل الرسالة الخبَر للمُرسَل إليه، فكلاهُما تُحقّق عملية الإيصال والإفهام.
ونخلص من كلّ ذلك إلى أنّ مصطلح الدلالة لدى الطوسي كان شاملًا جامعًا لكلّ أنواع الدَلالات اللغوية وغير اللغوية، مع تأكيد امتلاكه سمة النفاذ والوصول والاتساع في تحقيق عملية الاستدلال.
2 ـ اعتباطية الدليل اللساني:
تناول الطوسي قضيّة لغويّة دلاليّة كانت موضع عناية كبيرة بين علماء العربية وعلماء البشريّة عَبر تاريخهم الطويل، وهي قضيّة عَلاقة الدالّ بالمدلول أو الاسم بالمُسمّى. وقد أُعيدَ تناول هذه القضية لدى المحدثين على يد العالم اللغوي فردينان دي سوسير الذي ذهبَ إلى أنّ العَلاقة بين الدالّ والمدلول اعتباطيّة كيفيّة؛ لأنّ الدالّ لا يَستمِدّ معناه وقيمته الدلالية من بِنيته الصوتيّة [3] .
وقد جمع سوسير الدالّ والمَدلول تحت مصطلح واحد سمّاه الدليل اللساني ( Leasing Linguistigue) ، إذ عدّهما وجهين لشيءٍ واحدٍ لا يمكن الفَصل بينهما [4] .
وقد حَرص علماء العربية على إيجاد صلةٍ وثيقةٍ بين الدالّ والمدلول دعَت إلى ارتباط هذا الدالّ بمُدلوله من دون غيرِه، وهم في كلّ ذلك لم يَخرجوا عن دائرة التصوّر الإسلامي لهذه القضيّة، بل كانت آراؤهم تنبع دائمًا من الآثار الإسلامية الواردة في هذا الشأن، ومن تفكيرهم
(1) الفروق في اللغة 62 ـ 63.
(2) و (3) التبيان 2/ 30.
(3) علم اللغة العام: 87.
(4) المصدر نفسه 84 ـ 86.