الصفحة 27 من 337

الخاص الذي أدّاهم إلى تكوين وِجهة عقليّة خاصّة بقضيّة نشأة اللغة [1] . وقد دارت بحوثُهم على ثلاثةِ محاور [2] :

الأول: التوقيف أو الإلهام: وهو رأي أغلب الأشاعرة والمعتزلة، ومفادُه أنّ اللغة نشأت بتوقيفٍ إلهيّ، مُستدلّين بقوله تعالى: {وعَلَّمَ ءَادَمَ الأسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:31] ، إذ فيه دَلالة على أنّ آدم والملائكة لا يعلمون شيئًا إلا بتعليم الله، بعد أن خَلق فيهم الاستعداد الذاتي لمَعرفة دَلالة الدالّ على المدلول.

الثاني: الاصطلاح: وهو رأي بعض المعتزلة وغير واحد من أهل العلم. ومفادُه أنّ اللغة نشأت بتواضع الإنسان واصطلاحه على تسمية المُسمّيات، معتمدين في ذلك الاستدلال العقلي.

الثالث: المناسبة الطبيعيّة: وهو رأي عبّاد بن سليمان الصيمري المعتزلي (ت250هـ) ومفادُه أنّ الألفاظ تدلّ على المعاني بذواتِها، إذ تُنبئ أصواتُها عن معانيها.

وما يهمّنا من هذا العرض هو تحديد رأي الطوسي، فقد حَمل قوله تعالى {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:31] على أنّه تعليم إلهامٍ، إذ قال: (( وظاهر الآية وعمومها يدلّ على أنّه علّمه جميع اللغات ... فأخذَ عنه وُلدُهُ اللغات فلمّا تفرّقوا تكلّم كلّ قوم منهم بلسان ألفوه واعتادوه، وتطاوَل الزمان على ما خالفَ ذلك، فنسوه ... ) ) [3] ، ولكنّه على الرغم من ذلك لا يُنكر قولَ من قال بأنّ الله خلقَ في آدم القُدرة والتمكّن على أن يَبتدع لكلّ شيء اسمًا يُشاكله، بدليل تفرقته بين الإخبار والإعلام، فقد فسّر قوله تعالى: (وعلّم) بأنّه (( خَلق العِلم الضروري في القلب كما خَلق الله من كمال العقل والعِلم بالمشاهدات، وقد يكون بنِصب الأدلّة للشيء. والإخبار هو: إظهار الخبر، عُلِمَ به أو لم يُعلَم، ولا يكون مُخبرًا بما يَحدث من العِلم في القلب، كما يكون مُعلِمًا بذلك ) ) [4] وقد صرّح بهذا المعنى في آخر تفسيره للآية، بعد أن أشارَ إلى الدَلالة المُستوحاة منها وهي: أنّ الله هو المعلِّم الأوّل للبشر، وأنّه لا عِلْمَ للإنسان إلاّ ما علّمه الله. ويكون هذا العلم بسبيلين: (( إمّا بالضرورة ) ) [5] أي بالإلهام الذي يتنزّل على الإنسان من غير إرادة منه، (( وإمّا بالدَلالة ) ) (6) أي بالاستدلال العقلي والتواضُع والاصطلاح.

(1) فقه اللغة العربية: كاصد ياسر الزيدي 34.

(2) ينظر: الخصائص1/ 40ـ47، والمزهر في علوم اللغة وأنواعها: جلال الدين السيوطي 8 ـ29، وعلم اللغة:

علي عبد الواحد وافي 97ـ106،والتفكير اللساني في الحضارة العربية 67ـ100، وفقه اللغة العربية 34ـ46

(3) التبيان 1/ 138.

(4) التبيان 1/ 137 ـ 138.

(5) و (6) التبيان 1/ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت