والإفهام [1] . ثمّ تلاه عليّ بن عيسى الرمّاني الذي قَصَرَه على أربعة أقسام: كلامٌ وحالٌ وإشارةٌ وعلامةٌ. وأعطى القسم الأوّل أهميّة خاصّة حينما جعله على نوعين: أولهما: كلامٌ يظهَر به تميّز الشيء من غيره فهو بيانٌ، والآخر: كلامٌ لا يَظهر به تميّز الشيء، فليس ببيانٍ، كالكلام المُخلّط والمُحال الذي لا يُفهَم به معنىً [2] .
وقد أشار الطوسي إلى هذا المفهوم وعدّ البيان غايةً من غايات الخطاب اللغوي مُشترطًا فيه الأداء اللغوي بالكلام الفعلي على وجه الحقيقة، إذ يَشترط فيه أن يُظهِرَ ما في النفس، أي: لا يكون معنىً قلبيًّا قائمًا على الفَهم أو الإدراك النفسي؛ لأنّ (( ما يوجد في النفس من العِلم لا يُسمّى بيانًا على وَجه الحقيقة ) ) [3] . فالبيان بهذا وُضوح في الكلام الفعلي، أو بمعنى آخر هو صفة من صفات المتكلّم والمتلقي على حدٍّ سواء، فلا يُسمّى الكلام بيانًا إلا إذا تمكّن المُتلقّي من تفكيك معاني الخطاب المُوجَّه إليه والوصول إلى الدَلالة المَقصودة. ولذا يَعدّ الطوسي الكلام الذي لا يُحقّق البيان لَغوًا؛ لأنّه مُنعدِم الفائدة غير قادرٍ على تحقيق غرضه الأصلي وهو التفاهم [4] .
وقد عُني المحدثون أيضًا بمَفهوم (البيان) ، وتناولوه طبقًا لما هو عليه لدى القدماء، بحُسبانه من المَنظومات الرَمزية الأساسية بين المتكلّم والمتلقّي التي تقيم رَوابط طبيعيّة وبيئيّة بين الخِطاب وسياقه المتنوّع من اجتماعي وذاتي وانثربولوجي [5] .
ومن الإشارات المهمّة للطوسي في مفهوم الدلالة، تأكيده أنّ الدلالة هي وسيلة الانتقال إلى المعنى، بل إنّها وسيلة الانتقال من معنى إلى آخر، وذلك حين أنكر على الرمّاني تفرقَته بين الدَلالة والبُرهان، إذ إنّ البُرهان لديه: بيانٌ عن معنى يُنبئ عن معنى يَشهد بمعنى آخر. وهو ما رفضه الطوسي مؤكِّدًا تساوي البُرهان والدَلالة في المعنى، إذ بهما يمكن (( الاستدلال على ما هو دَلالة عليه مع قصدِ فاعلهِ إلى ذلك ) ) [6] .
والبُرهان من مفاهيم الفلسفة والمنطق، ويُراد به الاستدلال بالدليل على صحّة الشيء وفساده [7] . فالذي يريد أن يُثبت أمرًا ما يُبرهن على صحّته بطريقٍ مباشرٍ، ويكون بذلك نافيًا لنقيضِه بطريقٍ غير مباشر. ولذا عدّه الطوسي شبيهًا بالدَلالة؛ لأنّ فيه انتقالًا من معنى إلى
(1) البيان والتبيين 1/ 82، 76.
(2) النكت في إعجاز القرآن (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) : الرماني 106 ـ 107.
(3) التبيان 9/ 180.
(4) التبيان 2/ 229.
(5) استراتيجية التسمية: التأويل وسؤال التراث: مطاع صفدي 4.
(6) التبيان 1/ 411.
(7) التبيان 4/ 390، 5/ 311.