العامّة [1] ، أو كما يقول الجاحظ (( وعلى قَدَر وُضوح الدَلالة، وصَواب الإشارة، وحُسن الاختصار، ودقَّة المَدخَل، يكون إطار المعنى ) ) [2] .
وحديث الطوسي عن العلامة يدخل في ضمن ما يُعرف لدى المحدثين بعٍلم الرموز، والرمز مثير بديل يستدعي لنفسه الاستجابة التي قد يستدعيها شيء آخر عند حضوره، وقد يكون لغويًا أو غير لغوي، كإشارة اليد، أو إيماءة الرأس، أو علامات الترقيم، أو الرموز العسكرية أو المرورية وغير ذلك، فهي جميعًا تحمل معاني خاصّة [3] .
وقد أشار العالم اللغوي: دي سوسير إلى أنّ اللغة واحدةٌ من هذه الرموز، وعدّها نظامًا من الإشارات ( System Of Sign) التي تعبّر عن الأفكار، وشبّهها بنظام الكتابة، وبلغة فاقدي السمع والنطق، وبالطقوس الرمزية أو العلامات العسكرية، غير أنّه عدّ اللغة أهمّها جميعًا [4] ؛ لأنّها أعمّ وأشمل من سواها من العلامات، فهي النظام الوحيد الذي تتحقّق دَلالته على مستويين، على حين لا تمتلك العلامات الأخرى سوى بُعد دلالي واحد، فقد يكون بُعدًا إشاريًا، بلا دَلالة القول، مثل: التحيّات، أو يكون بُعدًا في دَلالة القول بلا بعد إشاري، مثل: أنماط التعبير الفنّي، أمّا اللغة فتجمع بين دَلالة العلامات المُفردة ودَلالة القول في آن واحد [5] .
وقد أشارَ بعض أعلام الفكر العربي القدماء إلى تميّز اللغة من سائر أنواع العلامة، لامتلاكها خاصيّة التولّد والانتشار إلى حدّ الاستيعاب والشُمول [6] .
وقد جعل الطوسي في مواضع [7] أخرى الدلالة بمعنى البيان، فهما بمنزلةٍ واحدةٍ. والبيان لديه عامّ الدلالة، ويشتمل على أصناف العلامة التي أشار إليها آنفًا، إذ قال: (( هو ما يُظهِر المعنى للنفس عند الإدراك بالبَصَر والسَمع، وهو على خمسة أوجُهٍ: باللفظ، والخَطّ والعقد بالأصابع، والإشارة إليه، والهيئة الظاهرة للحاسّة كالإعراض عن الشيء والإقبال عليه والتقطيب وضدّه، وغير ذلك ) ) [8] .
وقد أخذ موضوع (البيان) حيّزًا واسعًا في الدراسات الدلالية القديمة والحديثة وأوّل من أشار إليه الجاحظ الذي عدّه اسمًا جامعًا لكلّ شيءٍ كشفَ قِناع المعنى وهتكَ سِترَ الحِجاب وبلغَ الفَهم
(1) علم الدلالة، أصوله ومباحثه في التراث العربي 124.
(2) البيان والتبيين 1/ 89.
(3) علم الدلالة (مختار) 11ـ12.
(4) علم اللغة العام 34.
(5) مدخل إلى السيموطيقا (مقالات مترجمة) بإشراف: سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد 2/ 27.
(6) التفكير اللساني في الحضارة العربية: عبد السلام المسدي 324.
(7) التبيان 2/ 343، 599.
(8) التبيان 9/ 180.