الصفحة 23 من 337

ت ـ مفهوم الدلالة لدى الطوسي:

تنوّعت أبعاد الدَلالة لدى الطوسي من حيث المُصطلح والمُكوِّنات، وسنقف عند تلك الأبعاد مقسّمة على النحو الآتي:

1 ـ تداخل المصطلح:

تتداخل مَفاهيم المصطلحات لدى الطوسي، شأنُه شأنُ سابقيه ومعاصريه، إذ لم تتحدّد الهياكل التنظيريّة للمفاهيم الدلاليّة، كما هي في العصر الحديث. وقد تداخلَ مصطلح الدَلالة لديه بجُملة من المُصطلحات الأخرى التي تَرتبط معه بصورةٍ أو بأُخرى.

فقد جعل الدَلالة بمعنى العَلامة، وهو مفهوم واسع يضمّ أنماط الدلالات المختلفة في الوجود الطبيعي، فالعلامة لديه تشمل الوسائل التعبيرية الممكنة كافّة، اللغويّة وغير اللغويّة. قال: (( والعلامةُ صورةٌ يُعلَم بها المعنى من خَطّ أو لَفظ أو إشارة أو هيأة، قد تكون وَضعية، وقد تكون بُرهانية ) ) [1] ، فالوَضعية هي الموجودة بالتواضُع والتواطُؤ، والبُرهانية هي التي يُستدلّ عليها بالعقل والبُرهان.

والحق أنّ الدلالة أعمّ من العَلامة؛ ذلك لأنّ الأولى (( كامنةٌ مستقرّةٌ لا ظهور لها دون العلامة التي تُجسّدها وتُحقّقها في الواقع اللغوي ) ) [2] ، غير أنّ مساواة الطوسي بين المصطلحين تعود إلى أنّ الدلالة مُستنبَطة من كلّ نمط من أنماط العَلامات التي ذكرَها. فالعَلامة هي الموصِلَة إلى الدَلالة، وليست هي نفسها.

وقد سبقه الجاحظ إلى تحديد أنواع العَلامة، حين أوضح المسألة الدَلالية في بُعدها الكلّي، إذ إنّ (( جميعَ أصناف الدَلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد؛ أولها: اللفظ، ثمّ الإشارة، ثمّ العقد، ثمّ الخطّ، ثمّ الحال التي تُسمّى نَصبة، ولكلِّ واحد من هذه الخمسة صورةٌ بائنةٌ عن صورة صاحبتها ) ) [3] .

وما قال به الاثنان إنّما هو تلخيص لوسائل الإبلاغ التي تقوم على نسقٍ تنظيميٍ مُحكَمٍ، وفي ذلك تأسيس لمفاهيمَ لسانيّة دَلاليّة تتوخّى الشُمولية في المُعالجة، وتَنطلق من شُروط توصيل الدَلالة كما يقصُد إليها المتكلّم، ومن وعيٍ دقيقٍ بأوضاعِ المُتلقّي وأحواله

(1) التبيان 2/ 45.

(2) علم الدلالة، أصوله ومباحثه في التراث العربي: منقور عبد الجليل 121.

(3) البيان والتبيين 1/ 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت