الصفحة 254 من 337

منهم، الذين سمّوه (المَقام) وجعلوا لكلّ مقام مقالًا [1] ، فقد أولوا الجانب الاجتماعي اهتمامًا خاصًا؛ لأنّ تحليل المعاني على المستويات اللغوية الأربعة يُعطينا المعنى الحَرفي بعيداّ عن محتواه الثقافي والاجتماعي ومُجرّدًا من القرائن الكاشفة عن المعنى الدقيق، فالمقالُ لايُحدّد الدَلالة المقصودة إلا باقترانه بالمَقام المُصاحب له، فحين نسمع مثلًاعبارة: (أهلًا وسهلًا) في مقام الترحيب، يكون لها مدلول غير الذي نسمعه في مقام توبيخ من تأخَّر عن موعد حضوره، فكثيرٌ من التعابير لا يُفهم على نحوٍ دقيق إلا بالوقوف على السياقين اللفظي والحالي المُصاحبين لها [2] .

وكذلك فعل المفسّرون، فقد عُنوا بأسباب النزول بحُسبانها مَظهرًا من مظاهر السياق الحالي لاتّصالها وتعلّقها بالأحداث والوقائع المسبّبة لنزول النصّ الكريم، وهي لديهم (( أعظم مُعين على فَهم المعنى ) ) [3] ؛ لأنّ أغلب الآيات القرآنية نزَلت على وفق أحداث ومناسبات وقعَتْ في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلابدّ من الرجوع إلى معرفة تلك الأحداث لفَهم الآي، ولذا تُعدّ أسباب النزول من العلوم الواجب على المفسِّر الإحاطة بها قبل الشروع في بيان معاني كتاب الله العزيز [4] .

ومن أوائل من عُني بالسياق الحالي من المحدثين (جي آر فيرث) رائد النظرية السياقية الذي دعا إلى دراسة الألفاظ في سياقاتها بعد الإحاطة بجملة العناصر المكوِّنة للمَوقف الكلامي من شخصيَّة المتكلّم والسامع وتكوينهما الثقافي، والعوامل والظواهر الاجتماعية حتى المناخيّة، والأجواء النفسية والسياسية وما إلى ذلك [5] ، فاللغة لديه ذات وظيفة اجتماعية، والمعنى كلٌّ مركّب من جانبين: لغوي واجتماعي، اللغوي يشمل الوظائف الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. أمّا الاجتماعي فيشمل سياق الحال وما يتعلّق به. إذ لا تنظر النظرة الحديثة إلى الشخص على أنّه مستقلّ، إنّما تدخل في اعتباراتها إنّه عنصر في جماعة لغويّة معيّنة تفرِض على الشخص قيود اجتماعية تلزمه بسلوك لغويّ معيّن في حالات معينة [6] .

وقد عُني الطوسي بالسياق الحالي، وأشار إليه في مواضع عدّة من تفسيره سواء أكان من الماجريات المُحيطة بالنص أو من أسباب نزول الآيات. فمثال الأوَّل تعليله حذف المبتدأ في قوله تعالى: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] ،إذ قال: ((

(1) اللغة العربية معناها ومبناها 337.

(2) المصدر نفسه 337 ـ 339، وينظر: دراسة المعنى عند الأصوليين 213 ـ 271.

(3) البرهان في علوم القرآن 2/ 219، وينظر: لباب النقول في أسباب النزول: السيوطي 5.

(4) البرهان في علوم القرآن 1/ 22، وما بعدها، وينظر: الدلالة في البنية العربية 129.

(5) علم الدلالة (مختار) 68ـ71، واللغة والمجتمع، رأي ومنهج: محمود السعران 29.

(6) اللغة والمجتمع، رأي ومنهج 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت