الحق رُفع بأنّه خبر ابتداء محذوف تقديره ذلك الإخبار في أمر عيسى الحق من ربّك، فحذف لتقدّم ذكره وأغنى بشاهد الحال عن الإشارة إليه، كما تقول: الهلال، أي هذا الهلال )) [1] . وشاهد الحال هو سياق الحال، وهو هنا نظر المتحدِّث إلى الهلال والإشارة إليه بيديه أو برأسه، وفي هذا دلالة على أنّه يريد القول: هذا الهلال، ولذا فلا مانع دلالي من حذف ضمير الإشارة. وقد أشار سيبويه إلى شيء من هذه (الماجريات) حين فرّق بين موقفين وحالين يقال فيهما: (القرطاس والله) ، الأول بقوله شخص رأى رجلًا يسدد سهمًا جهة القرطاس، فيقول هذا الكلام ويقصد به: أن هذا الرجل يصيب القرطاس، والثاني بقوله بعد وقع السهم في القرطاس، ويقصد: أنّه أصاب القرطاس [2] .
وعُني أيضًا بأسباب النزول، وقد زَخِرَ مؤلَّفه بذلك حتى أنّه خَصّها في بعض المواضع ببابٍ منفرد [3] ، إذ كان يذكر الأسباب المَرويّة في تفسير الآية، ويرجِّح الأحسَنَ منها مع تعليل ذلك، ويجعل مراعاة السياق هي الأولى في ذلك الترجيح. من ذلك ما ورد في قوله تعالى {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26] ، فقد بيّن الطوسي أنّ قوله تعالى (هم) (( كناية عن الكفّار الذين تقدّم ذكرهم عند أكثر المفسرين ... وقال قوم: نزلت في أبي لهب؛ لأنّه كان يتبعه في المواسم فينهى الناس عن أذاه وينأى عن أتباعه، والأول أشبه بسياق الآية ) ) [4] . وقيل إنّها جاءت في أبي طالب عم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي كان يمنع الناس من أن يؤذوا ابن أخيه ويبعدهم عنه، وأنكر الطبري [5] والطبرسي [6] ذلك، لأنّ هذه الآية وردت في سياق ذمّ الكفّار والمعاندين، إذ أفادَ من السياق اللفظي المكتنِف لها في تحديد المقصود بالخِطاب فيها.
وقد تكون أسباب النزول كلّها حَسنة ومُحتملة، ولذا فلا يرجِّح الطوسي واحدًا منها، وإنّما يُجوّز كلّ واحدٍ منها ويَعدّه صحيحًا، فلا يقطع بواحدٍ منها بعينه، من ذلك ما ورد في قوله تعالى: {ياأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَتَقُولُواْ لِمَنْ ألْقى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًَا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوةِالدُّنْيَا} [النساء: 94] فقد ذكر الطوسي اختلاف المفسرين في أسباب النزول، إذ قيل: إنّها نزلت في رجل من غَطَفان غشيَته خيل المسلمين فترك
(1) التبيان 483، وينظر: مجمع البيان 1/ 451.
(2) الكتاب 1/ 257، وينظر: النحو في شرح ديوان الحماسة لأبي تمام: مكي نومان مظلوم 68، والدلالة في
البنية العربية127.
(3) ينظر: التبيان 2/ 13، 95، 369، 406، 3/ 103، 225، 298.
(4) التبيان 4/ 106.
(5) جامع البيان 7/ 171 ـ 173.
(6) مجمع البيان 2/ 287.