{فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ} [البقرة: 24] ، إذ قال (( الظاهر أنّ الناس والحجارة حطبُها، كما قال: {إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّم} [1] تهيّبًا وتعظيمًا بأنّها تُحرِق الحجارة والناس ) ) [2] ، فذِكْر الحجارة دليل على عِظَم النار وهَولِها [3] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَلانَكْتُمُ شَهَدَةَ اللهِ إِنَّآ إِذًَا لَّمِنَ الأَثِمِينَ} [المائدة: 106] ، فقد علّل الطوسي إضافة الشهادة إلى (الله) ؛ لأنّه الآمر بها وبإقامتها والناهي عن كتمانها [4] ، واستشهد لذلك بقوله تعالى في موضع آخر {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإنّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة:283] ، وقوله {وَاَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ للهِ} [الطلاق: 2] ، وهو ما ذهب إليه الواحدي [5] والطبرسي [6] .
وقد يستعين في السياق اللفظي المركّب بأكثر من آية ومن سور متفرّقة، من ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَكُمْ وَأغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأنتُمْ تنظُرُونً} [البقرة: 50] ، فقد قال الطوسي: (( معنى فرَقنا بكم البحر، أي: جعلناكم بين فرقيه تمرّون في طريق يبسٍ، كما قال تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًَا فِي الْبَحْرِ يَبَسًَا} [7] ، وفال: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [8] ، وقال بعضهم: معنى فرَقنا: يعني بين الماء وبينكم، أي فصلنا بينكم وبينهم، حجَزنا حيثُ مرَرتُم فيه، وهذا خلاف الظاهر، وخلاف ما بيّنه في الآيات الأُخَر التي وردت مفسّرة لذلك، ومبيّنة لما فيه اختلاف ) ) [9] . فالأخذ بالظاهر أولًا، ثمّ بالشواهد القرآنية المختلفة ثانيًا، هما وسيلتا الطوسي في الوصول إلى المعنى الدقيق. وقد قال بهذا الرأي الطبري [10] ، والقرطبي [11] الذي
(1) الأنبياء:98.
(2) التبيان 1/ 106، وينظر: منهج الطوسي 207.
(3) ينظر: مجمع البيان 1/ 63، والجامع لأحكام القرآن 1/ 235.
(4) التبيان 4/ 46.
(5) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز1/ 340.
(6) مجمع البيان 2/ 254.
(7) طه: 77.
(8) الشعراء: 63.
(9) التبيان 1/ 226 ـ 227، وينظر: منهج الطوسي 208.
(10) جامع البيان 1/ 275.
(11) الجامع لأحكام القرآن 17/ 387.