إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَوة الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدونَ إِلَى أشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 85] ، فقد ذكرَ الطوسي أنَّ لفظ (تعملون) فيه قراءتان: (( منهم من قرأ بالياء ردّه إلى من أخبرَ عنهم، ومن قرأ بالتاء ردّه إلى المقصودين بالخطاب، والياء أقوى لقوله(فما جزاء من يفعل) وقوله (ويوم القيامة يردّون) ، فالردُّ إلى هذا أقرب من قوله (أفتؤمنون ببعض الكتاب) ، فاتّباع الأقرب أوْلى من إلحاقه بالأوّل، والكلّ حَسَن. والمعنى: وما الله بسَاهٍ عن أعمالهم الخبيثة بل هو مُحصٍ لها، وحافظٌ لها حتى يجازيَ عليها )) [1] ، وهو رأي الطبري [2] أيضًا، على حين أنّ الراجح لدى غيرهم أنّ القراءة بالتاء، لأنّه أدلّ على المعنى لتغليب الخطاب على الغَيبة إذا اجتمعا [3] .
وتُعدّ الأمثلة السابقة جميعًا من السياق اللفظي الذي سمّاه القدماء متصلًا [4] ، على حين سمّاه بعض المحدثين بسيطًا [5] .
وهناك نوع آخر من السياق اللفظي هوالمنفصل لدى القدماء [6] ، والمركّب لدى المحدثين [7] ، وهو الذي يكون خارج سياق النص أو اللفظ المراد تفسيره ويبتعد عنه فيكون من السورة نفسها أو من سور أخرى، لكنّه يرتبط معه دلاليًا، ويدخل هذا النوع من السياق في باب تفسير القرآن بالقرآن الذي اعتمده المفسرون عامّة [8] . وهو جعل بعض الآي شاهدًا لبعضها الآخر، ويفضَّل على غيره من أساليب التفسير [9] ؛ لأنّه يُشعرُ بقُدرةٍ ذاتيّةٍ ومهارة ذهنيّةٍ في الحفظ والمُوازنة بين الآيات واختيار ما كان موافقًا منها للمعنى المراد تحديده، إذ يلتزم هذا المنهج النصّ القرآني وسيلةً لكشف معاني الآي وإزالة ملتبسها أو تخصيص عمومها، أو استبعاد وجوه التأويل التي لا تنسجم مع النصّ ومقاصده [10] .
وقد اعتمد الطوسي على هذا المنهج في تفسيره كثيرًا وعدّه من وسائل إثبات أنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة، مترابط المعنى وإن تباعدت أجزاؤه. من ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى
(1) التبيان 1/ 338.
(2) جامع البيان 1/ 401 ـ 402.
(3) ينظر: الحجة في القراءات السبع 1/ 82، والتفسير الكبير 1/ 3 / 594، وروح المعاني 1/ 312.
(4) البرهان في علوم القرآن 2/ 215.
(5) الدلالة في البنية العربية 120.
(6) البرهان في علوم القرآن 2/ 215.
(7) الدلالة في البنية العربية 120.
(8) ينظر: معاني القرآن للفراء 2/ 41، 46 ـ 47، وتأويل مشكل القرآن 330، وجامع البيان 1/ 351 ـ
352، ومعاني القرآن وإعرابه1/ 132،166، وأمالي المرتضى 2/ 504، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن 135 ـ
136، وتفسير القرآن بالقرآن: نشأته وتطوره حتى عصر الجلالين: كاصد ياسر الزيدي 298 ـ 334 (بحث) .
(9) ينظر: مقدّمة في أصول التفسير: ابن تيمية 93، والبرهان في علوم القرآن 2/ 175 ـ 176.
(10) تفسير القرآن بالقرآن: نشأته وتطوره 285 ـ 286.