إيمانه، والصواعق هلاك نفاقه. ورجَّح الطوسي القول الأخير؛ لأنّه (( أشبه بالظاهر وأليق بما تقدَّم ) ) [1] ، فقد سبق ذكرُ هذه الآية ذكرٌ للمنافقين وأخلاقهم وعاقبتهم، إذ إنّ في هذه الآية وما قبلها مثالَيْن لوصف المنافقين بعد ذكر جملة من مثالبهم. شبّههم في الأوّل بمن يوقِد نارًا في ليلة مظلمة ليهتدي بها، ولكنّه لا يبلغ غايته، وذلك أنّ المنافقين اتخذوا الإسلام غطاءً لتحقيق أغراضهم ظانّين أنّهم بذلك قادرون على صيانة مصالحهم لدى المسلمين والكافرين على حدٍّ سواء، ثمّ شبّههم بليلة مظلمة فيها مطر غزير وبرق خاطف ورعد مدوٍّ مهيب، وهم في طريقهم لا يهتدون لشدة الظلام، إذ إنّ كفرهم وخبثهم أعمى بصائرهم عن رؤية الحق بنور الأيمان. وذهب إلى مثل ما قال به الطوسي كلّ من الطبري [2] والطبرسي [3] والبيضاوي [4] ، الذين اختاروا التأويل الموافق للسياق اللفظي المتقدِّم. وفي تفسير التبيان نماذج أخرى لهذا النوع من السياق [5] .
ومثال السياق اللفظي المتأخِّر قوله تعالى: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًَا} [الأعراف: 143] فقد ذكر الطوسي أنّ (صعقًا) بمعنى: (( مغشيًّا عند أكثر المفسرين، بدلالة قوله(فلمّا أفاق) ، والإفاقة لا تكون إلا من الغَشيَة دون الموت، وإلاّ لكان قد قال حَيِيَ )) [6] ، فقد استدلّ على تفسير الآية بما قارنها من ألفاظ تمثّل قرائن سياقيّة لتحديد المعنى.
والصَعْق لغةً: تحتمل الغَشيان والموت [7] ، ولذلك قال بعض المفسّرين إنّ (صَعِقَ) في الآية بمعنى مات، ثمّ ردّ الله عليه روحه [8] ، على حين قال أغلبهم بأن (صَعِقَ) بمعنى غُشيَ عليه ثمّ أفاق [9] ، وأجاز بعضهم المعنيين [10] 10).
وبنحوٍ عام يعتمد الطوسي على السياق اللفظي في ترجيح القراءات والبتِّ بقوتها، من ذلك ما ورد في قوله تعالى: ثُمَّ أنتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًَا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مَحَرّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَآءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ
(1) التبيان 1/ 194.
(2) جامع البيان 1/ 149.
(3) مجمع البيان 1/ 56.
(4) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 214.
(5) ينظر: التبيان 1/ 122، 214.
(6) التبيان 1/ 215.
(7) لسان العرب: (صعق) 10/ 198.
(8) ينظر: تأويل مشكل القرآن 383، وتفسير العياشي 2/ 26.
(9) ينظر: جامع البيان 9/ 53، ومعاني القرآن واعرابه2/ 373، والوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1/ 412 /
والجامع لأحكام القرآن 1/ 219، 7/ 279، وإرشاد العقل السليم 3/ 270.
(10) الميزان 8/ 248.