الْكَرِيمُ [الدخان: 49] ،إذ لا يُراد بالآية ظاهر معناها وإنّما يُراد بها التهكُّم، والمعنى: إنّك أنتَ الذليل المُهان؛ لأنّها صفة للكافر وليس للمسلم بقرينة السياق، فقد تقدَّمَها تهديدٌ بالعذاب الأليم يوم القيامة، وهو ما نبّه عليه قدامى البلاغيين [1] .
وقد اعتمد الطوسي في تفسيره على السياق اللفظي على نحو واسع في تحليل دَلالات كثير من الألفاظ وبيان معانيها، وهو يفضِّل من التأويلات الوجه الملائم لسياق الآية مُستعينًا في ذلك بالمُتقدِّم منها، أو المُتأخِّر، ومثال المُتقدِّم قوله تعالى: {وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً فَإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًَا فَكُلُوهُ هَنِيئًَا مَّرِيْئًَا} [النساء: 4] ، فقد ذكر اختلاف المفسّرين في تحديد جِهة الخِطاب، إذ يرى أغلبهم أنّه خِطاب للأزواج وأمر لهم بإعطاء المَهر للزوجة المُطلّقة من غير نُقصان [2] . على حين يرى غيرهم أنّه خِطاب للأولياء مثل: الأب والأخ؛ لأنّ الأولياء في الجاهليّة كانوا لا يُعطون النساء من مُهورهنّ شيئًا [3] ، غير أنّ الراجح لدى الطوسي القول الأول، إذ قال: (( وأوّل الأقوال أقوى؛ لأنّ الله تعالى ابتدأ ذِكْر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظُلمهنّ والجَور عليهنّ، ولا ينبغي أن يُترك الظاهر من غير حجَّة ولا دَلالة ... ) ) [4] ، وحدث الخلاف في آخر الآية أيضًا في قوله (فان طبن لكم عن شيء منه نفسًا) حول جِهة الخِطاب: هل هم الأزواج أم الأولياء؟ فرجَّح الطوسي القول الأول كما رجَّحه آنفًا، فقال: (( والأوَّل هو الأوْلى؛ لأنّا بيّنا أنّ الخطاب متوجِّه إلى الأزواج الناكحين، فكذلك آخر الآية ) ) (7) ، إذ ربطَ بين أوَّل الآية وآخرها، وأفادَ من سياقها المُتقدِّم في تحديد دَلالتها وبيان معانيها بدقّةٍ.
ومنه أيضًا قوله تعالى: {أوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصَبِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِم مّنَ الصَّوَعِقِ حَذَرَ الْمُوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ} [البقرة: 19] ، فقد ذكر في تأويله وتشبيه المِثل أربعة أقوال:
الأول: تشبيه القرآن بالمَطر، فالظُلمات هي ابتلاؤه، والرَعد زَجره والبَرق بيانه والصواعق وعيده، والثاني: تشبيه الدنيا بالمطر وما فيها من الشدّة والرخاء، والثالث: تشبيه القيامة بالمطر وما فيها من وعيد الآخرة، والرابع: تشبيه إيمان المنافق بالمطر، فالظلمات ضلالته والبرق نور
(1) ينظر: مفتاح العلوم 177، والإيضاح في علوم البلاغة 289.
(2) ينظر: جامع البيان 4/ 241 ـ 242، ومعاني القرآن واعرابه2/ 12، والجامع لأحكام القرآن 5/ 23.
(3) ينظر: تفسير غريب القرآن 119، ومجالس ثعلب 2/ 369 ـ 370.
(4) و (7) التبيان 3/ 110.