أمّا الطوسي فقد كان للسياق في تفسيره أهميةٌ بالغةٌ، إذ جمع بين التفسير والأصول وعلوم النحو واللغة والبلاغة والكلام والمنطق وما إلى ذلك، وهي علوم تُعنى بالسياق في تحديد الدلالات وتوجيه المعاني. ولذلك فإنّ الطوسي يُعوِّل على السياقات الدلالية بأنواعها ويَستعين بها في تحليل النصوص والوُصول إلى الدلالة المقصودة منها.
ولم يستعمل مصطلح السياق على وجه التحديد، وإنّما سمّاه (القرينة) ، وهي في اللغة: (فعيلة) بمعنى (فاعِلة) ، أي مقارِنة بمعنى المصاحِبة [1] ، وفي الاصطلاح: هي أمرٌ يشير إلى المطلوب، أو هي الدليل المصاحِب للفظ المراد تفسيره والدالّ على المعنى [2] .
والقرينة لديه هي: (( الدلالة التي تُقارِن الكلام ) ) [3] ، وتفيدُ الإبانة، وتكون على صوَر مختلفة، قال: (( وأمّا الإبانة فقد تكون بالكلام والحال، وغيرهما من الأدلّة، كالإشارَة والعَلامة وغير ذلك ) ) [4] ، وهو بذلك يضع مفهومًا عامًّا وشاملًا للقرينة لا يقِف عند حدود الألفاظ، بل يتجاوزها إلى ما عُرِف لدى المحدثين من علماء اللغة بـ (العلامات) أو (الإشارات) ، فاللغة لدى فردينان دي سوسير: (( نظام من الإشارات التي تعبّر عن الأفكار. ويمكن تشبيه هذا النظام بنظام الكتابة أو الألفباء المستخدمة عند فاقدي السمع والنطق، أو الطقوس الرمزية أو الصيغ المهذَّبة أو العلامات العسكريّة، أو غيرها من الأنظمة، لكنّه أهمّها جميعًا ) ) [5] .
ولغرض معرفة الأبعاد الدلالية للسياقات في تفسير (التبيان) سنقف على نماذج لأنواعها الثلاث، وعلى النحو الآتي:
1 ـ السياق اللفظي:
ويُراد به نَسَق الكلام وماجراه الذي يقوم على ارتباط الألفاظ بعَلاقات سياقيّة بما قبلها وما بعدها [6] ، ويمكن القول إنّه مجموع الألفاظ المُصاحبة للفظ المراد تفسيره التي تساعد على توضيح المعنى [7] . وقد يكون سياقًا متقدّمًا على اللفظ أو متأخّرًا عنه أو مكتنفًا من جانبيه، إذ يُعدّ من أهمّ القرائن الدلالية المُساعدة في كَشف دَلالات الألفاظ والتراكيب وهي في نسقها المنظوم [8] ، وقد أشار إلى هذه الأهميّة الزركشي [9] ، وضَرَبَ له مثلًا قوله تعالى ذُقْ إِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ
(1) لسان العرب (قرن) 13/ 336، والتعريفات 99.
(2) مقاييس اللغة (قرن) 5/ 76، والتعريفات 99.
(3) التبيان 7/ 365.
(4) التبيان 1/ 168.
(5) علم اللغة العام 34، وينظر: الدلالة في البنية العربية 109.
(6) مناهج البحث في اللغة 233.
(7) المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث 116.
(8) الدلالة في البنية العربية 114.
(9) ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 200.