الصفحة 221 من 337

(3) الفَصل والوَصل:

وهو العِلم بمَواقِع الجُمل والوقوف على ما ينبغي أن يُصنَع فيها من العَطف والاستئناف والوصول إلى كيفيّة إيقاع حروف العَطف في مَواقِعها، أو تَركها عند عدم الحاجة إليها. فالوَصل عطفُ مفردةٍ على أخرى، أو جملةٍ على أخرى، والفصل ترك هذا العطف [1] .

وقد عُني بهذه الظاهرة النحاة والبلاغيون، ودرسوا المعاني الدقيقة لحالتي الفَصل والوَصل، ودَلالة العطف وحروفه، وقد عدّها عبد القاهر الجرجاني: (( من أسرار البلاغة، وممّا لا يتأتّى لتَمام الصواب فيه إلا الأَعْراب الخٌلّص، وإلاّ قومٌ طُبِعوا على البلاغة وأوتوا فنًّا من المَعرفة في ذَوق الكلام ... ) ) [2] .

وعُني الشيخ بهذه الظاهرة أيضًا، ووقف عند آيات كثيرة مُحلّلًا ومُعلّلًا، ومن ذلك قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أذَى وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ} [آل عمران: 111] . فقد ذكر أنّ الفعل (يُنصَرون) : (( رُفِع على الاستئناف ولم يُعطف ليجري الثاني على مثال الأوّل؛ لأنّ سبب التولية القتال، وليس كذلك مَنع النصر، لأنّ سببه الكفر ) ) [3] ، إذ لا يجوز العطف لعدم اتفاق الفعلين (يُوَلّوكم) و (يُنصَرون) في المعنى، لأنّ منع النصر ليس مَعلولًا للقتال، بل هو مَعلول الكفر، ولا رابطة بين الاثنين، فالكلام مَقطوع عمّا قبله وليس مَوصولًا به، ولذا وجبَ رفعُه على الاستئناف [4] ، وصار الفعل ضرورةً لازمةً.

وممّا رُفِع على الاستئناف وفُصِل عما قبله لفظ (رضوان) في قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيْهَا وَمَسَكِنَ طَيّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] ، وإنما رُفع (رضوان) كما يرى الطوسي؛ (( لأنّه استأنفه للتعظيم كما يقول القائل: أعطيتكَ ووصلتكَ، ثمّ يقول: وحُسنُ رأيٍ منكَ ورضايَ عنكَ خيرٌ من جميع ذلك ) ) [5] . فقد فصَل نعمة (رضوان الله) عن سائر النِعَم التي ذكرها أولًا، تمييزًا لها وتعظيمًا؛ لأنّها غاية المؤمن وبها ينال كلّ ما دونها

(1) ينظر: دلائل الإعجاز 223. والتعريفات 95.

(2) دلائل الإعجاز 223.

(3) التبيان 2/ 599.

(4) منهج الطوسي 340.

(5) التبيان 5/ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت