من جنات النعيم والمساكن الطيّبة والخلود في الجنة [1] ، فرضا الله هو غايتُنا وسبب سعادتنا. وعلى هذا فالفصل هنا راجح، لأنّه يتيح للمُتلقّي تحديد المعنى بوَجه دَقيق.
ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًَا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًَا} [الفرقان: 68 ـ 69] ، فقد ذكر الطوسي في هذه الآية قراءتين [2] ، بجزم (ُيُضاعَف) وبرفعه، فمن قرأ بالجزم أراد الوَصل، وجعل الفعل (( بدلًا من جواب الشرط؛ لأنّ الشرط قولُه(ومن يفعل ذلك) وجزاؤه (يلق آثامًا) . وعلامة الجزم سقوطُ الألف من آخره، و (يُضاعَف) بدلٌ منه، ويخلدُ عُطِف عليه )) [3] ، ومن قرأ بالرفع فقد فصَل واستأنف، (( لأنّ الشرط والجزاء قد تمّ ) ) (4) . وهو الراجح لدى ابن جني في مُحتسبه [4] .
وأشار إلى الوصل أيضًا، في المفردة، وفي الجملة، فمن أمثلة الأول قوله تعالى: {التَئِبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّئِحُونَ الرَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] . فقد ذُكِرَت الصفات السبعة الأولى مُنفصلةً لاختلاف دَلالاتها، على حين عُطف (الناهون) و (الحافظون) . والسبب في ذلك لدى الطوسي: (( لأنّه لا يكاد يُذكَر على الإفراد، بل يُقال: الأمر بالمَعروف والنَهي عن المُنكر، فجاءت الصفة مُصاحبةً للأولى. فأمّا قوله(الحافظون) ؛ فلأنّه جاء وهو أقرب إلى المعطوف ... )) [5] . إذ إنّ الأمر بالمَعروف والنَهي عن المُنكر بمثابة صفةٍ واحدة، فالأولى تستدعي مُصاحبة الثانية، ولذا جازالعطف بين الأمر والنهي لاشتراكهما في الدلالة على معنىً واحدٍ أو صفةٍ واحدةٍ. ويشير في كلامه إلى أثر السياق في عطف لفظ (الحافظون) إذ عُطفَ إتباعًا لعَطف سابقه.
وقد وردَت هذه الأوصاف مُنفصلةً عن بعضها؛ لأنّ في ذلك إيحاء بالكمال وتمام الخُلُق، وهو مبالغةٌ في وَصف المؤمنين بالمَنزلة الرَفيعة وبشرى لهم بالثواب الجزيل. وقيل: إن سَبب العطف هو أنّ الصفات الأولى عباداتٌ يأتي الإنسان بها لنفسه، أمّا الأخيرة المَعطوفة فعبادات متعلّقة بالغير، فأُدخلت الواو تنبيهًا على ما يصحبُها من مَشقّة ومِحنة [6] .
(1) جامع البيان 10/ 183.
(2) قرأها ابن كثير: (يضعِّفْ) بتشديد العين وجزم الفعل، وقرأها عاصم (يضاعف) بالرفع، وقرأها ابن عامر
(يضعّفُ) وقرأها حفص وأبو عمرو (يضاعف) . السبعة في القراءات 467.
(3) و (4) التبيان 7/ 507.
(4) المحتسب 1/ 149 ـ 150.
(5) التبيان 5/ 306 ـ 307.
(6) التفسير الكبير 6/ 16/155.