ومنه أيضًا حذف المَنهي عنه زيادةً في المبالغة، إذ قال تعالى: {وَلاتَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لايَسْمَعُونَ} [الأنفال:21] ، فالتقدير: ولاتكونوا في قولكم المُنكَر هذا كالذين .... ، إذ (( حذف المَنهي عنه؛ لأنّه قد دلّ عليه من غير جهة الذِكْر له، وفي ذلك غاية البلاغة ... ) ) [1]
ومنه أيضًا حذف جواب (لو) فقد ورد كثيرًا في القرآن الكريم وهو يُضفي على المعنى مبالغةً وتأكيدًا، من ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أنًّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ - وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ، إذ قدّر الطوسي جواب (لو) المحذوف فقال: (( والجواب مَحذوف، والتقدير: لكان خيرًا لهم وأعوَد عليهِم، وحذفُ الجواب في مثل هذا أبلغ، لأنّه لتأكيد الخبر، به استُغنيَ عن ذكرِه ) ) [2] ، وهو كذلك لدى سابقيه ولاحقيه من المفسرين [3] .
وقد يكون في حذف الجواب مبالغةً وتهويلًا للجزاء، من ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِِ} [الأنفال:50] ، فقد استدلّ الطوسي بقرينةٍ لفظيّةٍ ـ هي الكلام المذكورـ على جواب (لو) المحذوف، والتقدير: (( لرأيتَ منظرًا عظيمًا أو أمرًا عجيبًا أو عقابًا شديدًا، وحذفُ الجواب في مثل هذا أبلغ؛ لأنّ الكلام يدلّ عليه، والمَرئيّ ليس بمَذكورٍ في الكلام، ولكنّ فيه دَلالةً عليه؛ لأنّ تقديره: لو رأيتَ الملائكة يضربون من الكفّار الوجوه والأدبار، وحذفه أبلغ وأوجز مع أنّ الكلام يدلّ عليه ) ) [4] ، وهو ما قال به غير واحد من المفسرين [5] .
وجملة التأويلات التي قال بها الطوسي في الآيات المذكورة سالفًا، تشير إلى أنّ السامع لها يُدرِك أنّ لكلٍّ منها جملة نواة ترتكز إليها وتتفرّع عنها، وتتعدّد بتعدّد التأويلات، فهاهُم علماؤنا الأفاضل يُدرِكون ما توصّل إليه علماء اللغة المحدثون، الذين تلقّفوا علم الأوائل وأخضعوه لأطُر الحداثة والتطوّر، فزادوا وفصّلوا ونظّروا لدراسات لغويّة نحويّة دلاليّة منوّعة.
(1) التبيان 5/ 97.
(2) التبيان 5/ 243.
(3) ينظر: جامع البيان 10/ 22 ـ 23، والتفسير الكبير 6/ 16 / 76، والجامع لأحكام القرآن 8/ 28، وروح
المعاني 10/ 16 ـ 17.
(4) التبيان 5/ 137، وينظر: 2/ 64، ومنهج الطوسي 345.
(5) ينظر: التفسير الكبير 5/ 15 /493، والجامع لأحكام القرآن7/ 41ـ 42،وروح المعاني 7/ 223، 26/ 76.