الصفحة 208 من 337

وقد يأتي فعل الأمر على غير دَلالته الأصلية، إذ لا يدلّ على الأمر الحقيقي بل على سُرعة وقوع الفعل وسُهولة تَحقّقه، ومن ذلك قوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ} [البقرة: 65] فلم يأتِ الأمر على وَجه الحقيقة، وإنّما هو (( إخبارٌ عن سُرعة فِعله ومَسخه إيّاهم ) ) [1] ، وذلك؛ (( لأنّه تعالى لا يأمر المَعدوم، وإنّما هو إخبار عن تَسهيل الفعل ) ) [2] .

د ـ الدلالة على المبالغة في تصوير الفعل وتفخيم أثره: ويتحقّق هذا بإسناد الفعل إلى غير فاعلِه، ومن ذلك قوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} [الأنعام: 104] . فالبَصائر جمع بَصيرة، وهي أمر معنوي لا يصحّ إسناد المَجيء إليه، قال الطوسي في ذلك: (( وإنّما وُصِفت الدلالة ـ أي البَصيرة ـ بأنّها جائية، وإن كان لا يجوز أن يُقال: جاءت الحركة، ولا جاء السكون، ولا الاعتماد وغير ذلك من الأغراض؛ لتفخيم شأن الدَلالة، حيث كانت بمنزلة الغائِب المتوقّع حضوره للنفس، كما يقال: جاءتْ العافية، وانصرَفَ المَرض، وأقبلَ السعدُ، وأدبرَ النحس ) ) [3] . والبَصائر هنا هي نزول المطر وخُروج النبات والحَبّ المُتراكم، وجنّات النخيل والأعناب والزيتون، وخلق الإنسان والموجودات، وهي في أنفسها بَصائر [4] ؛ لقوّة دلالتها على الخالق، فهي توجِب البَصائر لمَن عرَفها ووقَف على حقيقتِها، ولقوّة دلالتِها فقد وُصِف بأوصاف الأحياء من مجيءٍ وحركةٍ.

ومنه أيضًا قوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان: 12] ، وعلّل الطوسي إسناد الرؤية إلى النار فقال: (( ونسبَ الرؤية إلى النار، وإنّما هم يَرَوْنها؛ لأنّ ذلك أبلغُ، كأنّها تراهُم رؤيةَ الغضبان الذي يَزفُر غيظًا، فهُم يَرونها على تلك الصفة، ويَسمعون منها تلك الحال الهائلة ) ) [5] .

(3) دلالة الجملة الشرطية:

الشرط أسلوب إخباري يحتمل الصدق والكذب مقيّد التعليق، وهو وقوع الشيء لوقوع غيره فإذا وُجِد الأوّل وُجِد الثاني [6] .

(1) التبيان 1/ 290، و ينظر: التفسير الكبير 1/ 3/541.

(2) التبيان 5/ 17.

(3) التبيان 4/ 226، وينظر 2/ 189.

(4) التفسير الكبير 5/ 13 / 104 ـ 105.

(5) التبيان 7/ 475.

(6) ينظر: المقتضب 2/ 46، والأصول في النحو 2/ 158، والتعريفات 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت