الصفحة 207 من 337

فجعلها كلَمح البَصر، فقال: {وَمَآ أمْرُ السَّاعَةِ إلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أوْ هُوَ أقْرَب} [1] ، وقال {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [2] وكلّ ما هو آتٍ قريب، فعبّر بلفظ الماضي ليكون أبلغ في الموعظة )) [3] ويعضّد هذه الدلالة العميقة ما يكتنِف الكلام من سياقات وقرائن دلالية مختلفة، وهو ما ذهب إليه غير واحد من المفسرين [4] .

ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَنَادَى أصْحَبُ الْجَنَّةِ أصْحَابَ النَّارِ} [الأعراف:44] وقوله {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبّهِمْ} [الأنعام: 30] ، إذ استعمل الماضي في تصوير أحداثٍ مستقبليّة لغرَض تقريبِها واستحضار صورها وكأنّها حادثةٌ لا مَحال [5] .

ومما دلّ على التقريب أيضًا، قوله تعالى: {لِيَقْضِي اللهُ أمْرًَا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 44] . إذ قال الطوسي: (( والمعنى يكون مَفعولًا في المستقبل، لتحقيق كونه لا مَحال حتى صارَ بمنزلة ما قد كان إذا قد علم الله أنّه كائن لا مَحالة ) ) [6] .

ج ـ الدلالة على سرعة وقوع الفعل: ومن ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] ، فقد اجتمعت إذا الفجائية مع الفعل المضارع للدلالة على قُدرة الله تعالى على سُرعة إيجاد الناس يَوم القيامة وبَعثهم [7]

ومنه أيضًا قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ} [الروم: 25] فقد عَبرّ بأمر القيام والبَعث للحساب بالدعوة أو الدعاء، والمعنى: (( أخرَجَكم من الأرض من قُبوركم بعد أن كنتُم أمواتًا يبعثكم ليوم الحساب، فعبّر عن ذلك بما هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة(كُنْ فيَكون) في سُرعة تأتّي ذلك وامتناع التَعذّر عليه ... )) [8] . وفي الكلام دلالةٌ على سرعة استجابة المأمورين لأمر الله من غير توقّف ولا تلبّث، فإذا نادى المُنادي: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمةٌ من الأوّلين والآخرين إلاّ قامت مُمتَثلة لأمر الله [9] .

(1) النحل: 77

(2) الإسراء: 1.

(3) التبيان 6/ 358.

(4) ينظر معاني القرآن الكريم 4/ 50، والتفسير الكبير 7/ 19/168، والجامع لأحكام القرآن 10/ 65.

(5) التبيان 2/ 65.

(6) التبيان 5/ 131.

(7) التبيان 9/ 46 ـ 47.

(8) التبيان 9/ 243.

(9) ينظر: الكشاف3/ 219ـ220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت