وتكتسب هذه الدلالة من الفعل الذي (( يقتَضي تجدّد المعنى شيئًا بعد شيء ) ) [1] . وهو بصيغه الثلاث يُشعر بالحُدوث، ففي الماضي انقضاء للحدَث، وفي المضارع حُدوث واستمرار، وقد يكون حضورًا ومشاهدةً حالية، أو يكون لاحقًا ومواعدةً مستقبلية [2] . ولكنّ هذه الدلالات غير ثابتة بل تتغيّر بتغيّر سياقات الأفعال وتراكيبها.
وقد عٌني القدماء [3] والمحدثون [4] باستعمال الأفعال وتنوّعه ووقفوا عند دلالته ومعانيه. ومنهم الطوسي الذي كان له وقفات دلالية وتحليلات فكريّة بنّاءة نقف على أهمّها فيما يأتي:
أ ـ الدلالة على تجدّد الحدث آنًا بعد آن: ومنه قوله تعالى: {الَّذينَ عَهَدتَ منْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56] . إذ يعلّل الشيخ مجيء الفعل المضارع معطوفًا على الماضي فيقول (( وقوله تعالى:(ثم ينقُضون) عطف المستقبل على الماضي؛ لأنّ الغرض أنّ من شأنهم نقضَ العهد مرّة بعد أخرى، في مستقبل أوقاتهم بعد العهد إليهم ... )) [5] . ويدلّ المضارع على تجدّد نقضهم للعهد حالًا ومستقبلًا؛ لأنّ هذا سلوكهم وخلقهم الذي لا يبدّلونه [6] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [الحج:25] وقوله: {الَّذِينَ ءّامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} [الرعد: 30] ، إذ عطف المضارع على الماضي للدلالة على أنّ شأن الكفّار أن يصدّوا عن سبيل الله في كلّ حين، وإنّ شأن المؤمنين أن تطمئنّ قلوبهم بذكر الله في كلّ حين [7] .
ب ـ الدلالة على تقريب الحدَث والإشعار بتحقّق وقوعه [8] : ويتجلّى هذا في استعمال القرآن الكريم للفعل الماضي في تصوير أحداثٍ لم تقَع بعد، ومن ذلك قوله تعالى: {أَتَى أمْراللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] فقد عبّر عن مَجئ يوم الساعة بالفعل الماضي، وهو لم يأتِ بعد، قال الطوسي: (( وإنّما قال:(أتى أمر الله) ولم يقُل: يأتي؛ لأنّ الله تعالى قرَّب أمر الساعة
(1) دلائل الإعجاز 182.
(2) البرهان الكاشف: ابن الزملكاني 140.
(3) ينظر: تنزيه القرآن عن المطاعن: القاضي عبد الجبار الأسد آبادي125،ودلائل الإعجاز 182ـ185.
(4) ينظر: الفعل زمانه وأبنيته: ابراهيم السامرائي، والدلالة الزمنية في الجملة العربية: علي جابر المنصوري،
ومعجم الجملة القرآنية (القسم الثاني: الدلالة الزمنية للأفعال في القرآن الكريم) :طالب اسماعيل الزوبعي.
(5) التبيان 5/ 143، وينظر: منهج الطوسي 350.
(6) ينظر: التفسير الكبير 5/ 15/497، وروح المعاني 10/ 22.
(7) التبيان7/ 306.
(8) منهج الطوسي 350.