وفي هذه التَفرقة يقول الرضي الاسترابادي: (( إنّكَ إذا قلتَ: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، فإنّما تُنشئ المَدحَ وتُحدِثه بهذا اللفظ، وليسَ المَدح موجودًا في الخارج في أحد الأزمنة مَقصودًا مُطابقة هذا الكلام إيّاه حتى يكون خبرًا، بل تَقصِد بهذا الكلام مَدحَه على جَودَته الحاصِلَة خارِجًا، ولو كان إخبارًا صِرفًا عن جَودَته خارِجًا، لدخلَه التَصديق والتَكذيب ... ) ) [1] أي: صار خبرًا.
ويفسّر الطوسي (ساءَ) على الدوام بمعنى (بِئسَ) [2] ، ومنه قوله تعالى: {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31] وقوله {سَآءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بئَايَتِنَا} [الأعراف: 177]
ومن أمثلة المَدح ِوقوفُه عند قوله تعالى: {إِن تبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271] ، إذ قال: (( والتقدير نعِمَ شيئًا إبداؤها، فالإبداءُ هو المَخصوص بالمَدح، إلا أنّ المُضاف حُذفَ وأُقيمَ المُضافُ إليه الذي هو ضمير الصدقات مَقامَه ... ) ) [3] . والمعنى أن تُظهِروا وتُعلِنوا إعطاء الصدقات، فنِعمَ العملُ هو.
وقد يُحذَف المَخصوصُ بالمَدح لدَلالة الكلام عليه، من ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَادَنَا نُوُحٌ فَلَنِعمَ الْمُجِيبُونَ} [الصافات: 75] . فقد (( أخبَر أنّ نوحًا نادى اللهَ ودَعاه واستنصرَه على قومِه، وأنّه تعالى أجابه، وأنّه ـ جلَّ وعزَّـ نِعمَ المُجيبُ لمَن دَعاه، وتقديره: فَلَنِعْمَ المُجيبون نحنُ له ... ) ) [4] .
وُروي هذا عن الكسائي [5] والطبري [6] وغيرهما [7] .
ب ـ القَسَم: عرّفه بأنّه (( تأكيد الخبر بما جعله في حيّز المُتحقّق ) ) [8] ، ويكون بالباء والتاء والواو، وتدخل اللام في جوابه زيادةً في التأكيد. وهو لديه أبلغ درجات التوكيد [9] 0).
وقد خَصَّ الخبر بالقَسَم، على حين خَصَّ الإنشاء بنون التوكيد، قال: (( والنون الثقيلة يؤكَّد بها الأمر والنهي، ولا يؤكَّد بها الخبر ) )ثم بيّن سبب ذلك فقال: (( فأُلزِمَ الخبر التأكيد ليدلَّ على اختلاف المعنى في المُؤكَّد، ولمّا كان الخبرُ أصلَ الجمل أُكِّدَ بأَبلغ التأكيد، وهو القَسَم ) ) (1)
(1) شرح الكافية 2/ 298 ـ 299.
(2) ينظر التبيان 4/ 116، 5/ 34 ـ 35.
(3) التبيان 2/ 351، وروح المعاني 3/ 63.
(4) التبيان 8/ 505.
(5) معاني القرآن للكسائي 219.
(6) جامع البيان 23/ 97.
(7) ينظر: الوجيز في تفسيركتاب الله العزيز 2/ 911، والجامع لأحكام القرآن15/ 89.
(8) التبيان 10/ 190.
(9) التبيان 2/ 23، وينظر: منهج الطوسي 331.