الصفحة 198 من 337

وهو بذلك يتّخذه وسيلةً للتفرقة بين الخبر والإنشاء، فالاختلاف المعنوي بينهما كان سببًا في اختلاف أدوات التوكيد الداخلة عليهما؛ ذلك لأنّ حاجة المتكلّم إلى التوكيد البليغ في إلقاء الخبر أكثر من حاجته في إلقاء الإنشاء، لاحتمال أن يكون المُخاطَب مُنكِرًا للخبرأو شاكًّا فيه، وعدم احتماله ذلك في الإنشاء، ولإزالة هذا الشك وردّ الإنكار؛ ولتحقيق صِدْق الخبر يُؤْتى بالقَسَم.

ولهذا الغرض دخلت نون التوكيد على الفعل المضارع المسبوق بلام القسم، نحو قول القائل: قد علمتَ إنّ زيدًا ليَقومَنّ [1] ؛ لأنّه خبر واجب الحُدوث مُستقبلًا، ولذا لَزِمَته النون تأكيدًا لحدوثه، إذ (( لا تدخل في الخبر إلاّ في القَسَم أو ما أشبَهَ القَسَم ) ) [2] ، فلا تدخل على الخبر الواجب في مثل: هو، إذ لا يجوز أن تقول: هونّ (( لأنّ هذه النون تُؤذِن بأنّ ما دخلَتْ عليه قد احتاج إلى التأكيد لخَفاء أمرِه من جهة المُستقبل ) ) [3] .

وقد يُشبِه الشرطُ القَسمَ في التأكيد، وذلك إذا دخلت (ما) على حرف الشرط (إنْ) ، فيُصبح الكلام (( بمنزِلة ما هو غير كائنٍ حتى احتيج معه إلى القَسَم مع خَفاء أمرِهِ من جهة المستقبل ) ) [4] ، ولذا تدخل النون في الشَرط وكأنّها داخلةٌ في جواب القَسَم من ذلك قوله تعالى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} [الزخرف: 41] ، إذ بيّن الطوسي سبب دخول النون على الشَرط فقال: (( معناه: إنْ نذهبْ بكَ، فلمّا دخلَت(ما) على حَرف الشَرط، أَشْبهَ القَسَم في التأكيد والإيذان بطلَب التَصديق، فدخلت النون في الكلام لذلك؛ لأنّ النون تُلزَم في جَواب القَسَم ولا تُلزَم في الجَزاء؛ لأنّه شُبِّه به، وإنّما وَجبَ بإذْهابِ النبيّ إهلاكُ قومِه من الكفّار، لأنّه عَلامَة اليَأْس من فَلاح أحدٍ منهم )) [5] . فالشَرط هنا بمنزِلة لام القَسَم، والمعنى: فإنْ قبضْناكَ يا مُحمَّد قبل أنْ نَنصُرَك على أعدائك ونَشْفي صُدور المؤمنين، فإنّا مُنتقمون من الكفّار أشدَّ الانتقام في الآخرة [6] .

ت ـ دلالة (لعلَّ) :

(1) التبيان 3/ 30.

(2) التبيان 1/ 173.

(3) التبيان 4/ 392.

(4) التبيان 4/ 392.

(5) التبيان 9/ 201.

(6) الكشاف 3/ 489.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت