[يس: 30] ، وقوله أيضًا: {يَحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ} [الزمر: 56] . وعدّ التعبير القرآني في هذه الآيات أبلغَ من قول القائل: أنا أتحسّر على العباد، أو قوله: الحَسرة علينا في تفريطِنا [1] .
وقد أشارَ سيبويه إلى أنّ قول القائل: يا عجباه، معناه إحضَرْ وتعالَ يا عجَب، وهو أبلغ من قولهِ: تعجَّبتُ منه [2] .
(2) الإنشاء غير الطلبي:
ويشمَل المعاني التي لا تكون طَلبًا ولا خَبرًا وهي: أفعال المُقاربة، وصِيَغ المَدح والذَمّ، وصِيَغ العقود، ودلالة (لعل) و (رُب) ّ و (كم) الخبريّة.
ولم يُعنَ علماء العربية بهذه المعاني عنايتَهم بالطَلبيّة، ومنهم الطوسي الذي قلّتْ لمحاتُه الدَلاليّة في الإنشاء غير الطَلبي. وسيقف البحث عند ذكرٍ موجزٍ لطائفةٍ منها:
أ ـ صيغ المدح والذم: وهي صيغ جامدة يُراد بها التعبير عن مَدح صفةٍ أو ذَمّها. وتشمَل: نِعْمَ، وبِئْسَ، وحَبّذا، وساءَ وما جرى مجراها. وقد اختلف النحاة في هذه الصيغ، إذ جعلها بعضهم أفعالا، وجعلها آخرون أسماءً [3] .
وتُستعمَل هذه الصيغ للجِنس كلِّه مَمدوحًا أو مَذمومًا، ثم يُخَصّ بالذَكر فَردٌ معينّ، قال سيبويه: (( إذا قلت:(عبدُ الله نِعمَ الرجلُ) ، فإنّما تريدُ أن تجعلَه من أمّةٍ كلّهم صالحٌ، ولم تُرِد أن تعرّفَ شيئًا بعينِه بالصَلاح بعد نِعمَ )) [4] .
وقد فرّق الطوسي بين دَلالة هذا الأسلوب على الإخبار ودَلالته على الإنشاء، وذلك حين وقف عند قولهِ تعالى: {فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ} [الصافات: 177] . فقال: (( أي بئس الصباحُ صباحٌ من خَوفٍ وحَذرٍ ... ولو كان بمَعنى الإخبار المَحْض لجازَ أن يُقال: ساءَه يَسوؤه سَوْءًا، أي أوْقَع به ما يَسوؤه ) ) [5] ؛ لأنّ في قولهِ {فسا ء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ} إنشاءٌ للذَمّ وهو غيُر موجودٍ في الواقع الخارجي، وإنّما هو معنىً يُستفاد عند التلفّظ بالقوْل، والتقدير: فساءَ الصباحُ صباحُ الذين أُنذِروا بالعَذاب، وخُصّ الصَباح بالذِكْر؛ لأنّ العَذاب كان يأتيهِم فيه [6] .
(1) التبيان 4/ 115،وينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 241.
(2) الكتاب2/ 217، وينظر: معاني القرآن الكريم 2/ 415.
(3) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 97ومابعدها.
(4) الكتاب 2/ 177، وينظر: معاني النحو 4/ 672.
(5) التبيان 8/ 538.
(6) معاني القرآن الكريم 6/ 70، والجامع لأحكام القرآن 15/ 140.